العطاس واستعادة روح المعرفة
عبد الحميد أبوزرة
حين يختل ميزان المعرفة، لا يعود الخلل في كثرة المعلومات ولا في ندرة العقول، بل في ضياع البوصلة التي تهدي الإنسان إلى موضعه من هذا الكون. من هنا يمكن فهم المشروع الفكري الذي شاده محمد نقيب العطاس، لا باعتباره مجرد اجتهاد أكاديمي، بل بوصفه محاولة عميقة لاستعادة المعنى في عالم فقد ترتيب الأشياء، واختلطت فيه الغايات بالوسائل، والمعرفة بالقوة.
لم يكن العطاس أسير بيئته الماليزية، ولا سجين تكوينه الغربي، بل كان ابن أفقين: أفقٍ تراثي تشرب فيه روح الإسلام من ينابيعه الصوفية والفكرية، وأفقٍ حديث خبر فيه بنية العقل الغربي من داخله. فقد تلقى تعليمه في مؤسسات مثل جامعة لندن وجامعة مكغيل، لكنه خرج من تلك التجربة لا مبهورًا بالغرب ولا رافضًا له جملة، بل ناقدًا له من موقع الندّية، مدركًا أن المعرفة الحديثة ليست بريئة كما تبدو، وأنها تحمل في طياتها رؤية مخصوصة للإنسان والكون.
لقد أدرك العطاس أن معركة الأمة ليست معركة جهل بسيط يمكن تداركه بالتعليم التقني، بل هي معركة وعيٍ مشوّه، ومعرفةٍ منزاحة عن مركزها الأخلاقي. ولذلك لم يطرح “أسلمة المعرفة” كشعار دعوي، بل كعملية جراحية دقيقة تستهدف إعادة بناء المفاهيم من جذورها. فالمعرفة في صورتها الحديثة، كما يرى، قد انفصلت عن الحكمة، واستقلت عن القيم، وتحولت إلى أداة للهيمنة بدل أن تكون سبيلًا للهداية. ومن هنا كان سؤاله المركزي: كيف يمكن إعادة وصل ما انقطع بين العلم والمعنى؟
إن العطاس لا يرفض العلم الحديث، بل يرفض ادعاءه الحياد. فهو يرى أن كل معرفة تنبني على خلفية فلسفية، وأن العلوم الإنسانية الغربية خصوصًا مشبعة بروح العلمنة التي تفصل الإنسان عن غايته الوجودية. ومن ثم فإن إعادة بناء المعرفة لا تكون بإضافة آيات قرآنية إلى مناهج جاهزة، بل بإعادة تعريف الإنسان نفسه: هل هو كائن مادي محض، أم خليفة في الأرض له رسالة تتجاوز حدود الاستهلاك والإنتاج؟
في هذا السياق يبرز مفهوم “الأدب” عند العطاس بوصفه قلب مشروعه التربوي. وليس الأدب هنا مجرد تهذيب سلوكي، بل هو نظام معرفي وأخلاقي في آنٍ واحد، يضع الأشياء في مراتبها الصحيحة، ويمنح الإنسان القدرة على التمييز بين ما ينبغي أن يُقدَّم وما ينبغي أن يُؤخَّر. فالأزمة في نظره ليست في غياب المعرفة، بل في سوء ترتيبها، وهو ما يؤدي إلى ظهور “إنسان بلا مركز”، يملك أدوات متقدمة لكنه يفتقد الحكمة التي توجهها.
ولعل هذه الفكرة تلتقي، من حيث العمق، مع تراث إسلامي طويل جعل من العلم عبادة، ومن المعرفة طريقًا إلى الله، لا مجرد وسيلة للسيطرة على الطبيعة. لكن العطاس يعيد صياغة هذا التراث بلغة معاصرة، محاولًا أن يجعله قادرًا على مواجهة تحديات العصر، لا مجرد الحنين إلى ماضٍ منقطع.
ومن هنا نفهم نقده الحاد للحداثة الغربية، التي يراها قد قامت على قطيعة معرفية مع الدين، أدت إلى اختزال الإنسان في بعده المادي، وإلى تحويل العالم إلى موضوع للاستغلال. وهو نقد لا يقف عند حدود الأخلاق، بل يتجاوزها إلى بنية التفكير ذاتها، حيث تصبح الحقيقة نسبية، والمعنى متشظيًا، والإنسان غريبًا عن نفسه. غير أن العطاس لا يدعو إلى رفض الحداثة جملة، بل إلى تحرير الذات من التبعية لها، وبناء علاقة نقدية معها تقوم على الانتقاء الواعي لا الاستهلاك الأعمى.
وقد تجسدت هذه الرؤية في مشروعه المؤسسي، حين أسس المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية، الذي أراده نموذجًا حيًا لجامعة إسلامية حديثة، لا تفصل بين العلوم، ولا تعزل المعرفة عن القيم. كان هذا المعهد محاولة لترجمة الأفكار إلى واقع، ولإثبات أن الإصلاح لا يكون بالكلام وحده، بل ببناء مؤسسات تعكس الرؤية التي ندافع عنها.
لم يكن العطاس غزير الإنتاج فحسب، بل كان دقيق العبارة، شديد العناية بالمصطلح، مدركًا أن المعركة الحقيقية تدور في ميدان المفاهيم. ولذلك نجده يولي اهتمامًا خاصًا لتعريف المصطلحات الأساسية مثل “الدين” و”العلم” و”الإنسان”، معتبرًا أن أي انزلاق في هذه المفاهيم يؤدي إلى انحراف في التفكير كله.
وقد ترك في هذا الباب أعمالًا تُعد من أهم ما كُتب في الفلسفة الإسلامية المعاصرة، مثل “الإسلام والعلمانية” و”مفهوم التربية في الإسلام”، حيث تتجلى قدرته على الجمع بين التحليل الفلسفي والروح الإيمانية.
ومع امتداد تأثيره خارج العالم الإسلامي، تُرجمت أعماله إلى لغات متعددة، ووجدت صدى في الأوساط الأكاديمية، خاصة في جنوب شرق آسيا، حيث يُعد أحد أبرز من أسهموا في تشكيل الوعي الفكري الحديث. ولم يكن تكريمه بلقب الأستاذ الملكي في ماليزيا إلا اعترافًا بمكانته العلمية، ودوره في بناء مشروع حضاري متكامل.
لكن القيمة الحقيقية للعطاس لا تكمن في كتبه ولا في مؤسساته، بل في هذا القلق المعرفي الذي زرعه في عقول قرائه: قلق السؤال عن المعنى، وعن موقع الإنسان في هذا العالم، وعن العلاقة بين العلم والأخلاق. إنه قلق إيجابي، يدفع إلى التفكير، ويمنع الاستسلام لبداهات زائفة، ويعيد فتح الأسئلة الكبرى التي حاولت الحداثة إغلاقها.
لقد عاش العطاس زمنًا شهد تحولات كبرى، من الاستعمار إلى الاستقلال، ومن التقليد إلى التحديث، وكان شاهدًا على ارتباك العالم الإسلامي في التعامل مع هذه التحولات. لكنه لم يكتفِ بالتشخيص، بل سعى إلى تقديم بديل، يقوم على استعادة الثقة بالذات، دون الوقوع في وهم الاكتفاء الذاتي، وعلى الانفتاح على العالم، دون الذوبان فيه.
وفي زمننا هذا، حيث تتسارع وتيرة التغير، وتتعمق أزمة المعنى، يبدو فكر العطاس أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فهو يذكرنا بأن المعرفة ليست ترفًا فكريًا، بل هي شرط الوجود الإنساني السوي، وأن فقدانها على وجهها الصحيح هو بداية كل انحراف.
ومن هنا فإن استعادة روح المعرفة، كما أرادها العطاس، ليست مشروعًا فكريًا فحسب، بل هي مهمة حضارية تتطلب جهدًا جماعيًا، وإرادة واعية، وشجاعة في مواجهة الذات قبل مواجهة الآخر.
التعليقات