العصر الرقمي يضع الأسرة والمدرسة أمام تحديات غير مسبوقة

22 سبتمبر 2026

تحرير : وجدان ناجي

أحدث التطور المتسارع للتكنولوجيا، خلال السنوات الأخيرة، تحولات عميقة في حياة الأطفال والشباب، انعكست على طرائق تفكيرهم وتعلمهم وتواصلهم، وفرضت تحديات تربوية ونفسية واجتماعية جديدة أمام الأسرة والمدرسة، وفي ظل هذا الواقع المتغير، تبرز الحاجة إلى تطوير أساليب التربية والتوجيه والمواكبة، بما يساعد الأجيال الناشئة على بناء شخصية متوازنة وتنمية قدرتها على الاختيار واتخاذ القرار.
ولهذه الغاية، ارتأى موقع دين بريس إجراء حوار مع الأستاذ حسن الواحي، الخبير التربوي والمتخصص في قضايا الشباب والإدمان الرقمي، لتسليط الضوء على تأثيرات العصر الرقمي في الأطفال والشباب، ومناقشة دور الأسرة والمدرسة في التعامل الواعي مع تحدياته والاستفادة من إمكاناته، وفيما يلي أبرز ما تم تناوله في هذا اللقاء:
1. التحولات التي تطبع واقع الأطفال والشباب وما ينجم عنها من إشكالات تربوية واجتماعية
يشهد عالم اليوم تحولات غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية، نتيجة عوامل متنوعة ومتداخلة في الوقت نفسه. فقد أصبح من الواضح أن الثورات العلمية والتقنية المعاصرة تركت تأثيرا قويا ومتعدد الأبعاد في حياة الإنسان خلال الفترة الراهنة.
وبالطبع، لا يمكن إغفال دور العوامل الأخرى في ما آلت إليه أوضاع الإنسان المعاصر، إلا أنها تظل، في كثير من الحالات، عوامل مرتبطة بالتطور التكنولوجي. ولعل هذا الطرح هو ما افترضه عدد من علماء اجتماع التغير الاجتماعي، ومن بينهم عالم الاجتماع الأميركي وأحد أعلام مدرسة شيكاغو، وليام فيلدينغ أوغبرن (William Fielding Ogburn، 1886-1959)، عندما درس وحلل التأثير القوي لابتكار الأدوات التقنية، بما فيها الأدوات التقليدية، في خلخلة البنيات والأنظمة السلوكية والعلائقية والأخلاقية، المادية منها والرمزية، داخل المجتمعات الإنسانية.
وقد أصبح لتطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال، على سبيل المثال، تأثير جوهري في واقع مختلف الشرائح والفئات العمرية، ولا سيما الأطفال والشباب.
2. تأثير تحولات العصر الرقمي في مؤسسات التربية والتنشئة الاجتماعية
تأتي المجالات التربوية في صدارة المجالات التي تمسها تحولات العصر الرقمي، فمن خلال نظرة سريعة إلى واقع المؤسسات المعنية بالتنشئة والتربية داخل المجتمع المغربي، شأنه شأن المجتمعات الإنسانية الأخرى، وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة، يتضح أننا أمام مؤسسات وفاعلين تربويين واجتماعيين أصبحوا في حاجة ملحة إلى اكتساب الكفايات والآليات الضرورية لمواكبة التحولات المتلاحقة والمتسارعة التي تشهدها حياة الأطفال والمراهقين والشباب.
3. دور منظومات التربية والتوجيه المدرسي في مواكبة الأطفال والشباب في العصر الرقمي
لا شك أن الأطفال والشباب يشكلون الشريحة العمرية التي ينبغي لمختلف الفاعلين داخل المجتمع إيلاؤها أهمية قصوى، باعتبارها أساس النهوض بالمجتمع ككل، غير أن هذه الفئات العمرية توجد في مقدمة الفئات المتأثرة بالتحولات التي يشهدها المجتمع الإنساني.
وإذا نظرنا إلى واقع الأطفال والشباب اليوم، نجد أنه ينطوي على مفارقات تستدعي التعامل معها بجدية، فمن جهة يتمتع أطفال اليوم وشبابه بفرص وإمكانات لم تتح للأجيال السابقة، من بينها تنوع سبل الولوج إلى المعلومة والانخراط في عالم معولم تتراجع فيه حدة المسافات والحدود الجغرافية، وما يترتب على ذلك من تغير نوعي وكمي في أنماط التكوين والتطور الشخصي والمهني للأفراد.
ومن جهة ثانية، لا يعني تنوع الفرص والإمكانات التي يتيحها العصر الرقمي وتناميها غياب المخاطر والتأثيرات السلبية التي قد تفرزها التحولات المرافقة له في مختلف جوانب حياة الأطفال والشباب، خصوصا داخل مجتمعات وأنظمة لم تحقق بعد الشروط اللازمة للانخراط الفعال في هذه التحولات المتسارعة.
وفي خضم هذه المفارقات، تتزايد أهمية أدوار الفاعلين التربويين والمتخصصين في التوجيه المدرسي والمهني، فقد شرعت السلطات والجهات القائمة على الشأن التربوي في بلادنا في تنزيل رؤى إصلاحية لمنظومة التوجيه المدرسي والمهني، ولا سيما ما تنص عليه الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، ومقتضيات القانون الإطار رقم 51.17، وما تقضي به خارطة الطريق 2022-2026 من ضرورة تفعيل آلية المشروع الشخصي للمتعلم.
ويمثل هذا المشروع وعاء قادرا على احتضان تدخلات مختلف الفاعلين التربويين، بهدف مواكبة المتعلمين وتأطيرهم في ما يتعلق بمساراتهم الدراسية وميولاتهم المهنية، في ظل عالم متغير يشهد تحولات جذرية ومتسارعة في بنية المهن وأنماط التعلم والتكوين.
وفي غياب أنظمة ناجعة للتوجيه المدرسي والمهني، لا يمكن الحديث عن مؤسسات فعالة في تأطير الناشئة من الأطفال والمراهقين والشباب وحمايتهم من المخاطر الناجمة عن العصر الرقمي، ومنها المخاطر المرتبطة بسوء استخدام البيئات الرقمية، مثل الانحراف والعنف الرقميين، والإدمان الرقمي، والمشكلات النفسية والسلوكية المرتبطة باضطرابات التركيز والتعلم والذاكرة، بسبب الاستعمال المفرط والسلبي للوسائط الرقمية.
4. انعكاسات استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي على الناشئة
سبقت الإشارة إلى التأثيرات التي تحدثها التقنية في الإنسان بصفة عامة، وفي الفئات العمرية الشابة بصفة خاصة، ولما كانت أدوات الذكاء الاصطناعي تتصدر قائمة الابتكارات التقنية المعاصرة، فإن لها تأثيرا مركبا في الناشئة من الأطفال والشباب، خصوصا في البلدان التي لا تتوفر على الكفاءة التقنية الكافية لمواكبة استخدامات الذكاء الاصطناعي وتوجيهها وتسخيرها لمصلحة الأفراد والجماعات.
وبمجرد الاطلاع على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من قنوات التواصل الرقمي، نجد أنفسنا أمام «حرب ضروس» تستخدم فيها أدوات الذكاء الاصطناعي للتشهير والتنمر والمساس بالكرامة الإنسانية، وللأسف لم يعد أطفالنا وشبابنا في مأمن من هذه الاستخدامات السيئة.
والأدهى من ذلك أن هذه الأدوات أصبحت تكتسح مختلف مجالات الحياة الإنسانية، في حين لا يحترم استخدامها من جانب الناشئة دائما شروط الاستفادة الإيجابية منها في دعم التعلم والتكوين. كما يفتقر كثير منهم إلى الوعي النقدي والرؤية المتبصرة اللذين يساعدانهم على حماية أنفسهم من أضرار الاستخدامات السلبية لهذه الأدوات.
ولعل الكيفية التي تتعامل بها فئات واسعة من المتعلمين مع أدوات الذكاء الاصطناعي خير دليل على ذلك، إذ تطغى الجاهزية والنمطية على حساب الإبداع الشخصي، ويتراجع الاجتهاد الذاتي في اكتساب المعارف والمهارات اللازمة لتحقيق النجاح الفردي والجماعي داخل المجتمع المغربي.
5. إصلاح أنظمة التربية والتكوين والتوجيه أولوية في برامج الأحزاب السياسية
ونحن على مشارف الاستحقاقات الانتخابية، ينتظر من البرامج الانتخابية الجادة أن تجعل إصلاح أنظمة التربية والتكوين والتوجيه في صدارة أولوياتها، وأن تترافع الأحزاب السياسية بشأن هذا الورش الحيوي.
ولا يخفى ما يكفله الدستور المغربي للأحزاب السياسية من أدوار ترافعية، فضلا عن أدوارها التأطيرية والتوعوية، وهو ما ينبغي ترجمته داخل برامجها الانتخابية من خلال الالتزام بتعزيز تأطير الأطفال والشباب، والعمل على تجويد الطرائق والآليات المعتمدة في تربية هذه الفئات وتنشئتها وتوعيتها، بالنظر إلى مكانتها الاستراتيجية والحيوية داخل المجتمع.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

تحديات الحكومة المقبلة..

تتقدم مطالب المغاربة إلى الحكومة المقبلة واضحة ومباشرة، فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وأسعار لا تلتهم أجور الأسر، ومدرسة تؤدي دورها، ومستشفى يجد فيه المواطن العلاج حين يحتاج إليه. هذه ليست عناوين في برنامج انتخابي، إنها تفاصيل الحياة التي سيقيس الناس بها أداء الحكومة منذ أيامها الأولى. ويأتي غلاء المعيشة في مقدمة ما ينتظره الناس […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...