الطريق إلى المعرفة: من حي بن يقظان إلى الغربة الغربية ورحلة المريد المعاصر
محمد أبوخصيب
تمثل قصة “حي بن يقظان” لابن طفيل ورسالة “الغربة الغربية” لشهاب الدين السهروردي “المقتول” معبرين متوازيين نحو الحقيقة الإلهية، رغم اختلاف المسالك والمناهج.
فحي، ذلك الفتى الذي نشأ وحيدا في جزيرته المنعزلة، يرتقي سلم المعرفة درجة فدرجة، من الحس إلى العقل إلى الكشف، معتمدا على فطرته الصافية ومجاهداته الروحية. أما السهروردي فيرسم في غربته طريق العارف الذي يهجر عالم الظلمات الغربية، ساعيا نحو المشرق الأنوار، حيث تسطع شموس الحقائق العلوية. كلا المسلكين يؤكدان أن الوصول ليس بالعلم الظاهري وحده، بل بتزكية النفس وتطهيرها من أدران العالم المادي، وبالانعتاق من أسر الحواس نحو عالم الأنوار الخالصة.
تتقاطع الرحلتان في جوهرهما حول فكرة الغربة الوجودية، تلك الحالة التي يعيشها السالك وهو محاصر بعالم الكثافة والكثرة، مشتاقا إلى عالم الوحدة والصفاء. حي يجاهد في عزلته المكانية ليكتشف الحقيقة الكونية، بينما يصف السهروردي غربة الروح في بدن غريب عنها، أسيرة في عالم سفلي بعيد عن موطنها الأصلي. وفي كلتا التجربتين، نجد أن العارف يمر بمراحل من التطهير والترقي: البداية بمعرفة النفس، ثم الكون، ثم الانفتاح على الحضرة الإلهية. هذه المراحل تعكس المقامات الصوفية المعروفة من توبة ومجاهدة وزهد وتوكل، حتى يصل السالك إلى مقام الفناء في المعرفة الحقة، حيث تتلاشى الحجب وتنكشف الأسرار.
لكن السالك المعاصر يواجه غربة من نوع مختلف، غربة لا تقل عمقا عن غربة حي في جزيرته أو غربة الروح في فلسفة الإشراق. فهو محاصر بطوفان المعلومات والصور والأصوات، في عالم رقمي لا يتوقف عن الإمداد والإغراق. الشاشات المضيئة ليل نهار، والإشعارات المتواصلة، والمعارف المبعثرة، كلها تخلق ضجيجا يحجب الإشارات الخفية للقلب.
إن التحدي الأكبر للمريد اليوم ليس في نقص المعرفة، بل في غزارتها الفوضوية التي تشتت الروح وتمنعها من الاستبصار. كيف يمكن للقلب أن يسمع نداء الحق وسط هذا الصخب الإلكتروني؟ كيف يتحقق الحضور والخشوع في عصر الانتباه المجزأ والذهن المشتت؟
يتطلب الطريق الصوفي اليوم شجاعة جديدة: شجاعة الانفصال الإرادي عن هذا السيل الجارف، والعودة إلى عزلة حي الداخلية رغم كل الزحام الخارجي. المريد المعاصر مدعو إلى أن يخلق لنفسه “جزيرة روحية” في قلب المدينة الرقمية، فضاء للصمت والتأمل وسط الضوضاء. وكما سلك حي طريق المعرفة بالمراقبة والتفكر في الطبيعة، فإن السالك اليوم يحتاج إلى استعادة هذه القدرة على التأمل العميق، لا السطحي، والانتباه المستدام لا المتقطع، فالعلم الحديث والتقنية ليسا عدوين للسلوك الروحي بالضرورة، لكنهما يصبحان كذلك حين يحجبان بدلا من أن يكشفان، حين يضيفان كثافة بدلًا من شفافية.
في النهاية، يبقى جوهر الطريق واحدا عبر العصور: تطهير المرآة الباطنية حتى تعكس الأنوار الإلهية بلا تشوه. سواء كان السالك في جزيرة منعزلة كحي، أو في رحلة رمزية نحو المشرق كما وصفها السهروردي، أو في مواجهة الطوفان الرقمي المعاصر، فإن المطلوب هو ذاته: اليقظة، والصدق، والمجاهدة، والانعتاق من سلطة العوائق الظاهرة والباطنة.
الطريق لا يزال مفتوحا لمن أراد السلوك، لكنه يتطلب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، قرارا واعيا بالخروج من الغفلة الجماعية، والدخول في حالة اليقظة الفردية التي تفتح باب المعرفة الحقة.
التعليقات