29 أغسطس 2025 / 11:09

الصراع الثقافي والحضاري بين الدول: عرائس الأطفال نموذجا

أحمد منصور. باحث مصري

من باربي إلى ماشا
باربي عروسة أمريكية، وماشا عروسة روسية. الإثنتان على النقيض التام من بعضهما البعض. كل واحدة منهما تغذي في الأجيال الناشئة بعض الأفكار والقيم المهمة جداً والخطيرة جداً. باربي تهتم بالأزياء والشعر والتجميل وهي بنت المدينة، وماشا بنت بسيطة جدا وريفية، طيبة وهادئة وتلقائية لكن شقية. باربي تعبر عن مقاييس هوليوود في الجمال، وعن التطلعات الاستهلاكية والمظهرية، فهي طويلة، رفيعة، شعرها أشقر طويل، وماشا تعبر عن البساطة والتلقائية، قصيرة وتلف شعرها بإيشارب لاتنزعه إلا نادراً، ولا تلبس إلا فستاناً واحداً طويلاً.
باربي تهتم بالماكياج والإكسسوارات، لديها ملابس عديدة من كل صنف ولون، وتغير من ملابسها باستمرار، وهي تغذي القيم الاستهلاكية للمجتمع الأمريكي، وتنشر صورة عن الفتاة باعتبارها سلعة، تقدم نفسها في مظهر ملفت وجذاب. ودائماً ما تكون باربي بصحبة صديقها الوسيم وصديقاتها اللاتي يشبهنها. أما ماشا فهي على النقيض التام من باربي، فهي لا تهتم بالملابس ودائماً ما ترتدي زياً واحداً لا تغيره كثيراً، صديقها هو دب، دب روسي!! وأصدقاء ماشا هم حيوانات الغابة، كلب وجدي وخنزير. ماشا تعيش في الريف، بين الأشجار والمساحات الخضراء، وباربي تقضي أوقاتها في الشراء والرحلات وعلى حمامات السباحة.
باربي لا تواجه أي مشاكل، تستمتع بحياتها الاستهلاكية وبنفسها. أما ماشا فهي تواجه المشاكل، لكنها هي التي تتسبب فيها بسبب براءتها وتلقائيتها ورغبتها الدائمة في أن تلعب، فيأتي صديقها الدب لينقذها دائماً.
باربي هي إبنة المدينة، إبنة الرأسمالية الاستهلاكية والعولمة، وماشا هي إبنة الريف المحلي الأصيل، إبنة الطبيعة. إذا كانت باربي منفتحة على العولمة الاستهلاكية، فإن ماشا منفتحة عل الطبيعة. وهو تناقض حاد بين تصورين للعالم: العالم باعتباره عمراناً حضرياً وقيماً استهلاكية مادية، والعالم باعتباره طبيعة خضراء مفتوحة.
أعتقد أن ماشا تم تصميمها كي تكون نقيضة باربي، كي تنقل للأطفال القيم المعاكسة لباربي تماما، ماشا هي ضد – باربي Anti-Barbie. ظهرت باربي سنة 1959، أي في أوج الحرب الباردة، كي تنشر القيم الاستهلاكية والمادية الأمريكية في العالم، وظهرت ماشا سنة 2008، أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبعد أن بدأت روسيا في التعافي من آثار هذا الانهيار وتقديم نفسها مرة أخرى في صورة جديدة للعالم، أي أن ماشا قد ظهرت في مرحلة الرد الروسي على ما حدث في أواخرالقرن العشرين.
إن المجال الثقافي هو أحد المجالات التي تدور فيها الصراعات الأيديولوجية حول معنى الحياة، وهو مجال يتم فيه تكوين وعي الذات بذاتها. وكل ثقافة تحاول تقديم تصورها عن العالم والإنسان إلى الآخر، وفي المجال الثقافي تتصارع وتتنافس الصور الثقافية التي تهدف الانتشار العالمي.

إن عرائس الأطفال عبارة عن منتجات ثقافية تعبر عن الأوضاع الأيديولوجية للبلدان التي أنتجتها، وتنقل رسائل سياسية للأجيال الناشئة وتربيهم على صور ذهنية معينة ورؤية معينة لأنفسهم وللعالم. إذا كانت باربي تقدم صورة الثقافة الاستهلاكية الأمريكية والحياة المادية الرأسمالية والمقاييس الهوليوودية في الجمال والمظهر وشكل الجسم، فإن ماشا هي الصورة النقيضة لها، العيش في الطبيعة وسط الحيوانات والبساطة والتلقائية والبراءة، وهي كلها قيم ثقافية ضد – أمريكية. إن التناقض الحاد بين باربي وماشا يعبر عن صراع ثقافي بين أيديولوجيتين لا تزالان في مواجهة مع بعضهما البعض.