الشعبوية ليس ظاهرة سياسية وفقط

ماركمجدي
لو أمكن تحديد نقطة مركزية تميز الخطابات الشعبوية يمينية الطابع، التى تتجلى أمامنا اليوم فى الترامبية واليمين المحافظ الأوروبى، أو التى نعرفها اليوم ضمن خطابات اليمين الدينى فى الشرق الأوسط، لحددناها كالتالى: الترويج والتأكيد على الشعور بالامتياز على الآخر المغاير.
هذا الامتياز لا يمكن أن يُطرح فى صورة امتياز مادى أو قانونى مباشر، وإنما يُقدَّم باعتباره استعادةً لحق أصيل سُلب من الجماعة لصالح «الآخر»، قد يكون الآخر هو المهاجر فى الخطاب اليمينى الأوروبى، والأقليات أو النخب الليبرالية فى الخطاب الترامبى، أو العرب فى الخطاب الصهيونى، أوالمختلف دينيًا أو ثقافيًا فى خطابات اليمين الدينى بالشرق الأوسط، وكذا المهجرين الأفارقة فى مصر أحيانًا. ومن هنا تُبنى صورة الجماعة باعتبارها صاحبة الحق الطبيعى فى الأرض والثقافة والهوية والدولة، بينما يتحول الآخر إلى منافس على هذه الامتيازات أو إلى تهديد لها. ويمنح هذا التصور للخطاب الشعبوى قدرته على تحويل مشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية معقدة إلى صراع بسيط بين «نحن» أصحاب الحق والامتياز و«هم» الذين ينتزعون هذا الامتياز منا، بما يخلق شعورًا جمعيًا بالاستحقاق، ويمنح الغضب السياسى فى الاتجاه الخاطئ موضوعًا واضحًا يمكن الحشد والتعبئة عليه.
لكن أصحاب الخطابات الشعبوية، سواء ارتكنت على تأصيل دينى، أو عرقى، أو قومى، يعرفون جيدًا أن مد الخط على استقامته يؤدى لصراعات كبيرة لا يمكن تأجيجها فى كل اللحظات، لأنه قد تؤدى لتغيير الظروف والاقتتال الأهلى، وهنا تأتى لحظة الاستقرار للخطابات الشعوبية بأنواعها، اللحظة التى يصبح فيها الخطاب الشعبوى جزءًا من طيف سياسى مستقر، وهى لحظة «الوعد الشعبوى»: بدلًا من أن تعد الجماعة بإقصاء الآخر، تعد الفرد بأنه سيستعيد امتيازًا عليه داخل حياته اليومية. الرجل يستعيد سلطته على زوجته وأبنائه، والعامل أو الموظف يشعر بتفوقه على المهاجر أو الآخر من غير دينه، والمواطن يشعر بأن انتماءه الوطنى أو الدينى يمنحه مكانة أعلى من «الغريب».
الأكثر حضورًا لدينا على الإطلاق هو التفوق على الآخر على أساس الدين، حيث يتفوق المؤمن أخلاقيًا وعقائديًا على غير المؤمن بنفس الإيمان. يتحول هذا الامتياز إلى وعد سياسى قابل للتداول داخل النظام القائم: «قد لا تستطيع تغيير موقعك فى المجتمع، لكن يمكنك أن تكون أسمى من شخص آخر». وهذا ما يفسر قدرة الخطابات الشعبوية المحافظة على جذب قطاعات من الناس الذين يعانون من التهميش أساسًا؛ لتمنحهم شعورًا بالسيادة من خلال ترتيبهم فوق آخرين، وتحوّل غضبهم من النظام الاجتماعى الذى ينتج التفاوت والتهميش إلى غضب تجاه من يُقدَّمون باعتبارهم سببًا فى فقدانهم مكانتهم. كلما ضاق الحال وشعر الناس بتردى حياتهم وتهميشهم، نجحت الخطابات الشعبوية فى تقديم حل وهمى، يقوم على الشعور الزائف بالسمو على الآخر.
لهذا فمن المعروف لدارسى السياسة والتاريخ، أن لحظات الأزمات الاقتصادية الكبرى عالميًا، غالبًا ما تؤدى إلى مسار ضمن مسارين، إما الميل اليسارى الراديكالى، أو الشعبوى اليمينى. وبالفعل نحن نعيش أزمة اقتصادية عالمية كبرى، ولحظة تحول تاريخية فى النظام العالمى، ينقسم فيها الناس فى العالم المتقدم بين يسار راديكالى ويمين شعبوى.
أما فى مصر، فالشعبوية الحقيقية ليست خطابًا سياسيًا فقط، لكنها أيضًا خطاب دينى، بل ويمكننا أن نقول إن نقطة الارتكاز الأساسية لبعض أنواع من الخطاب الدينى ترتكز أساسًا على الوعد الشعبوى: وصاية الرجل باسم الدين على رداء المرأة مثلًا، هى تعبير عن وصاية أبوية على مجال حرية الفرد من الأساس. يتربى الناس بناءً على هذه الخطابات أنهم جميعهم أوصياء على بعضهم البعض، لدرجة تجعل الموظف العام أوالمسؤول الحكومى أو المدير فى العمل يعتقد فى نفسه أن له حق الوصاية على مرؤوسيه وليس إدارتهم فى مهام العمل، مثلما فعل بالضبط عميد كلية الطب البيطرى فى جامعة بدر، وقرر تعنيف طالبة ترتدى فستانًا غير لائق من وجهة نظره. الرجل يشعر بالتفوق الأخلاقى على الطالبة، وعلى ولى أمرها الذى سمح لها بارتداء الفستان غير اللائق من منظوره، فتدخل خارج نطاق صلاحياته. ثم تداركت إدارة الجامعة الخطأ وكرمت الطالبة.
كل هذا نتاج هذا الخطاب الشعبوى الدينى/ السياسى المستقر فى الوجدان المصرى منذ سنوات. أسس هذا الخطاب لهذا السلوك حين تغير الدين من مجال للاعتقاد الشخصى إلى معيار عام للحكم على سلوك الآخرين، والحقيقة أن هذا السلوك لا ينتمى للدين فى عمومه، بل إلى تلك النسخة المعينة من الدين، التى تمنح بعض الأفراد سلطة أخلاقية على غيرهم بحكم انتمائهم إلى الجماعة الدينية، وتحديدًا للذكور داخل هذه الجماعة. عندها يرتبط «الصواب» الدينى بسلطة الرجل على المرأة، أو بحق الأكبر سنًا أو الأعلى وظيفيًا فى تقويم سلوك من هم أدنى منه، ليصبح التدخل فى حياة الآخرين خارج نطاق العمل أمرًا مشروعًا فى نظر صاحبه، بل وأكثر من ذلك، يصبح واجبًا أخلاقيًا. لماذا يستمر هذا الخطاب لهذا اليوم؟ لأننا طبعنا معه وهنا الكارثة!




التعليقات