السينما المغربية بين مرآة الواقع والاشعاع العالمي

اعداد : سلمى كرماس
لم تعد السينما مجرد وسيلة للترفيه أو سرد الحكايات، بل غدت فنا قادرا على قراءة المجتمع وتوثيق تحولاته والتعبير عن قضاياه، فضلا عن قدرتها على تشكيل الصور والانطباعات لدى الجمهور. وفي المغرب، رسخ الفن السابع حضوره ضمن المشهد الثقافي، مستفيدا من تنوع المجتمع المغربي وثراء تجربته الإنسانية، ومن تنامي الإنتاج السينمائي والإقبال على الأعمال المغربية، إلى جانب الحضور المتزايد للسينما المغربية في المهرجانات والمنصات الدولية. ومن هنا تبرز إشكالية تتجاوز حدود الصناعة الفنية لتلامس علاقة السينما بالمجتمع وصورته في الخارج: فإلى أي حد تستطيع السينما المغربية أن تعكس الواقع المغربي كما هو، بكل ما يحمله من تحولات وتناقضات، وفي الوقت نفسه أن تنقل هذه الصورة إلى العالم دون اختزالها أو الوقوع في قوالب النمطية؟ وبين مسؤولية الفنان في التعبير عن واقعه، ورغبته في الوصول إلى جمهور عالمي، نفتح هذا الحوار مع أحد الوجوه البارزة في الساحة السينمائية المغربية. وهو السيد عز الدين الوافي، المخرج والناقد السينمائي والباحث في مجال الصورة والسينما.
عندما نتحدث عن السينما بوصفها مرآة للمجتمع، إلى أي حد ترون أن السينما المغربية اليوم تنجح في عكس التحولات التي يعيشها المغرب، ولا سيما ما يرتبط بقضايا الشباب، والمرأة، والهجرة، والتحولات الاجتماعية والثقافية ؟
أظن أن الفن، في مستواه الحقيقي والراقي، يظل مرتبطا ارتباطا عضويا بالمجتمع، وإلا أصبح خارج سياقه المجتمعي والثقافي والحضاري؛ أي خارج السياق الذي يُفترض أن يُنتج فيه، وينبعث منه، ويعبّر عن هواجسه وتحولاته. ومع ذلك، لا أتقاسم تماماً فكرة أن الفن مجرد مرآة للمجتمع، لأن هذا التصور، في اعتقادي، ينطوي على قدر كبير من الاختزال والمغالطة. فالفن ليس انعكاسا آليا للواقع، وإنما هو إعادة إنتاج له، من خلال رؤية تتداخل فيها عناصر الإبداع والجمال والتخييل. وأحياناً يكون الواقع، بحكم طبيعته الفيزيائية والمجتمعية، أقوى من الفن نفسه.
ومن هذا المنطلق، أعتقد أن السينما المغربية تعيش، إلى حد كبير، في قلب هذا المعترك، في ظل التحولات الكثيرة التي يعرفها المجتمع المغربي. فهذا المجتمع ينبض بالحياة، لكنه يعيش، في الوقت ذاته، الكثير من الاختلالات، ومن مظاهر غياب العدالة الاجتماعية، إلى جانب التحولات التي تعرفها فئة الشباب. إضافة الى إشكالات كبرى، كما ذكرت، سواء المتعلقة بالهجرة أو بالتحولات الثقافية، ولم لا السياسية والاقتصادية أيضا. وهناك رهان كبير يضعه المجتمع على هذا الفن، وخصوصا السينما، لكي تكون صوتا، كما يقال، لمن لا صوت له.
وبالتالي، فهذا الرهان كبير جدا، ولا أتصور أن الفن وحده قادر على خوضه والنجاح فيه. لكن، بنسب متفاوتة، يمكن القول إن السينما المغربية عرفت مجموعة من الموجات التي ارتبطت بتحولات وإشكالات مجتمعية محددة. فقد ظهرت، مثلا، أفلام تناولت حقبة سنوات الرصاص، وأخرى انخرطت في مسار التحرر من الطابوهات، وهنا أذكر انتاجات عبد القادر لقطع، فكثيرا ما تأتي موجة سينمائية لتخصص اهتمامها لظاهرة مجتمعية بعينها، كما حدث أيضا مع موضوع الهجرة.
أما إلى أي حد نجحت في عكس التحولات التي يعيشها المغرب، فهذا سؤال محوري ومفصلي؛ لأننا نقول أحيانا إن السينما تقوم على قدر كبير من الجرأة، وعلى الصدق مع الذات، وعلى الإبداع. فإذا حاولنا أن نبني قصة نراهن على أن تكون صادقة وجميلة، ومحمّلة بالكثير من الرسائل، وقادرة على إثارة الأسئلة التي تنسجم مع حجم تطلعات الإنسان المغربي، عوض الانسياق وراء مصطلحات رنانة أو الاكتفاء بتوظيفها، فعندها يمكننا أن نقول، على الأقل، إن هذه السينما تراهن على شيء حقيقي.
وإذا كانت السينما تختار من الواقع ما تقدمه على الشاشة، فهل تقع على عاتق صانع الفيلم مسؤولية كيفية تمثيل هذا الواقع؟ بمعنى آخر، كيف يمكن تناول القضايا الاجتماعية الصعبة بصدق وجرأة، من دون أن تتحول معالجتها إلى اختزال لصورة المجتمع المغربي أو تكريس لصورة نمطية عنه؟
هنا نحن أمام نوع من اللعب على حبلين، لأن الأمر يتعلق، كما أشار السؤال، إما بمحاولة اختزال المجتمع في صور نمطية فكرية، من خلال بعض الشخصيات التي ندفع بها لكي تحمل هموم طبقة معينة، أو وظيفة معينة، أو فئة معينة، وما إلى ذلك؛ وإما بالبحث عن معالجة تتجاوز هذا الاختزال. وهذا الاختزال، في حد ذاته، قتل لجمالية السينما، لأنه يحولها إلى مجرد أرقام ومواضيع مسطرة، لا تنفذ إلى عمق القضايا التي يفترض أن تنشغل بها السينما.
ومن هنا، فإن صناعة الفيلم، كما ذكرت، ليست مجرد مسؤولية، وإنما هي أيضا انحياز في الأفق الفكري والمعرفي، على أساس أن تكون تلك القطعة الجمالية، والتي يمكن أن أسميها فيلما، سواء كان وثائقيا أو روائيا أو غير ذلك، بمثابة حافز على التأمل في أدوات السرد أولا، وفي أدوات بناء الشخصية، وفي الرمزية والألوان، وفي مختلف المكونات الجمالية واللغة الفيلمية التي تصنع هذا الفيلم أو ذاك.
وبالتالي، أعتقد أن الرهان لا ينبغي أن يكون فقط على مدى مصداقية الفيلم في نقل الواقع، وإنما أيضا على قدرته على التخيل والإبداع، وعلى قدرته على تجاوز اللحظة التاريخية التي ولد فيها، لكي يظل محتفظا براهنيته. وكثيرة هي الأفلام التي سبقت زمانها، وأصبحت، كما يقال، أيقونات في تاريخ السينما. وهذا هو المفروض.
ومن هنا، فإن المجتمع المغربي، كما ذكرت، مجتمع معقد، والاكتفاء بمحاولة تسليط الضوء على هذا التعقيد بشكل ميكانيكي أمر بالغ الصعوبة. ولذلك، يتطلب الأمر من الفريق الفني والإنتاجي والتقني الكثير من الجهد، حتى نحاول أن نضع السينما المغربية في مصاف السينما العالمية.
انطلاقا من ذلك، نصل إلى مسألة حضور السينما المغربية خارج الحدود: عندما يسعى الفيلم إلى الوصول إلى الجمهور العالمي والمشاركة في المهرجانات الدولية، هل يمكن أن تؤثر اعتبارات الجمهور الأجنبي والسوق العالمية في طريقة تقديم المغرب وقضاياه؟ وأين يمكن أن يقف التوازن بين الخصوصية المغربية ومتطلبات الوصول إلى العالمية؟
هذه إشكالية قديمة جديدة، وربما نحن بطبيعتنا نرتبط كثيرا بالماضي، وبالإشكالات التي لدينا مع التراث والصورة والهوية. لكن، في المقابل، يمكن أن نستفيد من هذه الإشكالية. وأذكر هنا الكثير من المخرجين المغاربة الذين يعيشون في الخارج، وتتاح لهم إمكانية التنقل والانتقال من حضارة وهوية وعوالم معينة إلى عوالم بلدهم الأصلي والأصيل. وأرى في هذا التنقل، وفي هذه الازدواجية المعرفية والهوياتية، شيئا جميلا، بل يمكن أن يكون عاملا مساعدا إلى حد كبير.
والدليل على ذلك أن كثيرا من المخرجين الذين يشتغلون على الهوية والهجرة، ويحملون معهم بوادر وتجارب إبداعية، يتمكنون من النظر إلى المجتمع المغربي الذي تربوا فيه من مسافة، أو من بعيد. وهذا يجعل أفلامهم محملة بالكثير من الأسئلة حول الانتماء، وحول المغرب، وحول آفاق المغرب، وحول الشخصية المغربية وتقاليدها ومكوناتها الفكرية والثقافية والحضارية.
أما مسألة الخصوصية المغربية، فأظن أن لكل مجتمع خصوصياته، وهذه الخصوصيات يمكن أن نستفيد منها، لأنها تمنح المجتمع المغربي ميزته الخاصة، باعتباره مجتمعا متعددا ومتنوّعا، له حضاراته وتاريخه. ويمكننا أن نشتغل على هذا الجانب بكثير من الحب، وبالكثير من العناية، بما يضمن لنا بلوغ تلك العالمية.
فالعالمية لا تعني أن تنسلخ عن مقوماتك الفكرية والحضارية والثقافية لكي تنصهر في الآخر، الذي يمتلك بدوره مكوناته الخاصة، وإنما تعني أن تعمل محليا لكي تصل إلى العالمية.
وأخيرا، هل تعتقدون أن قوة السينما المغربية في الوصول إلى العالم تكمن في تقديم صورة «مثالية» عن المغرب، أم في نقل واقعه الحقيقي بكل تنوعه وتناقضاته؟ وإذا أتيحت لكم اليوم فرصة إنتاج فيلم يعرف العالم بالمغرب، فما القضية أو الحكاية التي ستختارون تقديمها، ولماذا؟
فيما يتعلق بتقديم صورة مثالية عن المغرب أو أشياء من هذا القبيل، فنحن نعيش في عالم تغمره الحقيقة بعيدا عن المثالية، وإذا أتيحت لي اليوم فرصة لصناعة فيلم عن المغرب، فسأتعامل مع صورته الحقيقية. البعض يقول إنه كلما صورنا أشياء حقيقية، يقال “أننا نقدم شماته في المغرب “؛ نصور الفقر، ونصور الدعارة، ونصور التجارة الجنسية. وهذه الأشياء موجودة، ولا يمكن إنكارها، بل على العكس، يجب أن تتوفر لدينا الجرأة والشجاعة لتصويرها، وأن نجعل منها موضوعا للسؤال والتأمل، لأن هذا هو الصدق الذي ينبغي أن تتحلى به السينما الوثائقية.
أما إذا أتيحت لي فرصة لإنتاج فيلم، فسأحاول أن أشتغل على صورة المغرب التعددي؛ صورة المغرب الذي راكم رصيدا ثقافيا ومعرفيا وحضاريا، في الذاكرة الشعبية، وفي تجلياته العمرانية، وفي أشياء أخرى من هذا القبيل، يمكن أن تكون مهمة جدا في تقديم صورة حية عن المغرب.
فالمغرب نتاج مجموعة من التراكمات الثقافية، وكثير من الروافد التي تشكل، في مجملها، جوانب كثيرة من الجمال الذي يختزنه المغرب.
عن عز الدين الوافي :
عز الدين الوافي مخرج وناقد سينمائي وباحث في مجال الصورة والسينما، وفاعل في عدد من الأطر الثقافية والسينمائية. شغل منصب رئيس المرصد المغربي للصورة والوسائط، ورئيس ملتقى رأس سبارطيل السينمائي بطنجة، ومدير الملتقى المتوسطي للفنون البصرية بتطوان، كما كان عضواً في اتحاد كتاب المغرب والجمعية المغربية لنقاد السينما، وممثلاً لمجموعة البحث في الصورة المتحركة والسينما الدولية بإيطاليا.
كتب وأخرج عددا من الأفلام الوثائقية والتخييلية، من بينها: «أكواريوم» (2008)، «أبواب الياسمين» (2009)، «طيارة ورق» (2010)، «أمواج أغسطس» (2012)، و«شجرة الأمنيات» (2013).
وله أيضا مجموعة من المؤلفات والدراسات في مجال الصورة والسينما، من أبرزها: «في الصورة والتلفزة» (2002)، «لعبة الظل ـ لعبة الضوء في السينما» (2005)، «بنية اللغة السينمائية: القصة ـ السيناريو ـ الحوار» (2008)، «رؤى في السينما المغربية بعد 50 سنة» (2010)، و«سلطة الصورة وبلاغة الجسد» (2015).




التعليقات