الرياضة في التراث الإسلامي: الكرة نموذجا

14 يناير 2026

د. صلاح الدين المراكشي

عرف العرب قبل الإسلام وبعده أشكالًا متعددة من الرياضات، لما لها من أثر كبير في حياة الإنسان، سواء من حيث التسلية والترويح عن النفس أو تقوية الجسد ورفع الكفاءة البدنية.

وقد جاء الإسلام ليؤكد أهمية القوة والنشاط، فكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدوة في ذلك؛ فقد صارع رُكانة فغلبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم. تهذيب التهذيب لابن حجر برقم : 9/164.

كما سابق زوجته عائشة مرة فسابقته ثم سابقها مرة اخرى؛ فسبقها فقال: لها هذه بتلك ! أحمد برقم: (24118) وابن ماجه وغيرهما (1979). وأشار صلى الله عليه وسلم في بعض أحاديثه إلى أنواع من الرياضات الأخرى أكثر انتشارا في وقتهم؛ كسباق الإبل والخيل والرمي بالسهام ومر بقوم يتسابقون فقال : ” ارموا بني اسماعيل فإن أباكم كان راميا ” البخاري برقم ( 3373 ). وكان الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع بطلا في العدو لا يسابقه أحد من أهل المدينة.

من هنا يتضح أن الرياضة في الإسلام لم تكن مجرد لهو، بل وسيلة لبناء الجسد، وتعزيز اللياقة، وتنمية المهارات القتالية؛ كالفروسية والسيطرة على الخيل.

وقد بلغ الاهتمام بالرياضة ذروته في العصر العباسي، حيث مارسها الخلفاء والوزراء، ومن أبرزها لعبة الصولجان. وهي رياضة جماعية تُمارس على ظهور الخيل، تُستخدم فيها كرة خفيفة تُصنع من مادة مرنة، ويقوم الفرسان بضربها بعصا معقوفة تُسمى الصولجان أو “ polo ”، بهدف إيصال الكرة إلى عمود معين في الميدان.

وكانت الكُرة اللعبة المفضّلة لدى الخلفاء والملوك والأمراء؛ فقد جاء في ‘كنوز الذهب‘ لسبط ابن العجمي أن أول خليفةٍ لعب الكُرة هو هارون الرشيد وورث عنه حُبَّها ابنُه محمد الأمين؛ حتى إن الاهتمام بها كان على رأس أولوياته في الحكم، حسب الإمام السيوطي الذي يقول -في ‘تاريخ الخلفاء‘- إن الأمين “أولَ ما بُويع بالخلافة حتى إنه جعل بناء الميادين الخاصة بها من أولويات حكمه. كما اشتهر الأمير أحمد بن طولون بممارستها، وبنى في قصره ميدانًا خاصًا لها سُمِّي “الميدان”.

ومع التأكيد على أهمية ترويح النفس وممارسة بعض أنواع الرياضات، فإن الإسلام في الوقت نفسه يوجّه المسلم إلى اختيار المباح منها، وإلى تحقيق التوازن بين متطلبات الجسد وسموّ الروح وأداء الواجبات الدينية.

وقد نبه العلماء والمؤرخون إلى المكانة التي احتلتها الرياضة في حياة القادة المسلمين؛ إذ يذكر الإمام شمس الدين الذهبي في سيرة السلطان نور الدين محمود زنكي أنه كان كثير العبادة والصيام، ومع ذلك كان يكثر من اللعب بالكرة، لأنه كان يعدّ الرياضة تدريبًا عمليًا للخيل، ووسيلة لتنمية مهارات الكرّ والفرّ والاستعداد لميادين المعارك.

وهكذا نرى أن الرياضة، قديمًا وحديثًا، كانت ولا تزال جزءًا من بناء الإنسان والحضارة، تجمع بين المتعة والفائدة، وتُسهم في إعداد الفرد جسديًا ونفسيًا، بما ينسجم مع القيم الدينية والإنسانية.

والله تعالى أعلى وأعلم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

الرياضة بمنطق السيادة..

عمر العمري تظهر التفاعلات التي تلت الحدث الرياضي الأخير بالمغرب انزياحا مقلقا في طريقة تمثل المجال الرياضي داخل بعض البيئات الإقليمية، إذ جرى تفريغ المنافسة من بعدها القيمي والتربوي، وتحويلها إلى ساحة إسقاط لصراعات سياسية وهوياتية، يعاد إنتاجها عبر تعبئة الجماهير واستثمار الانفعالات الجماعية، في مسار يفرغ الرياضة من معناها الأصلي ويقحمها في رهانات لا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...