الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجوديَّة

11 فبراير 2026

عبد الجبار الرفاعي. كاتب عراقي 

في الزمن الذي تتحكم فيه الخوارزميات سيتسارع إيقاع التغيير بشكل مثير، وتضمحل المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية، في هذا الزمن يغدو الإنسان ضائعًا في متاهة لا تمنحه أمانًا. يعيش في تقلب دائم، لا يمكث طويلًا في علاقة، ولا يصبر على صداقة، ولا يتورط في صلة تستدعي الانتظار. ملول حد الضجر، حتى في علاقاته العاطفية سريع الانسحاب من كل ما لا يشبع رغباته المتقلبة، وما لا يحقق له لذة آنية. ينكفئ على ذاته، ويعيش فردانية مغلقة لا يرى فيها إلا نفسه، فيشتد اغترابه، ويتضاءل شعوره بالمسؤولية حيال مَن حوله حتى يكاد يتلاشى.

إثر ذلك تتآكل مشاعر الأُلفة في العائلة، ويتبلد الشعور الحميمي داخلها، ويتصدع الانتماء بمحتواه العاطفي، فيغدو البيت مأوى لأجساد لا قلوب، وسقفًا يظلل جماعة كأنهم غرباء لا يربطهم ود، ولا تعيش قلوبهم المحبة، ولا يجمعهم حوار. في كثير من البيوت ترى الأبناء غارقين في هواتفهم وأجهزتهم اللوحية، منصرفين إلى تطبيقات وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لا يكادون يصغون إلى آهات مَن يعيشون معهم، ولا يتواصلون بحميمية مع آبائهم وأمهاتهم وعوائلهم. حتى في الأوقات القليلة التي يلتقون فيها أحيانًا على مائدة الطعام، لا يكادون ينطقون بكلمات تعرب عن حنانهم وامتنانهم للأمهات والآباء والعائلة، ولا يتكشف ما يدل على ذلك في وجوههم أو لغة أجسادهم. كل واحد منهم يعيش عالمه الخاص منغلقًا عليه، يحيط أسراره بأسوار من الصمت، كأن حياته لا تخص أحدًا، وكأن مَن في البيت لا صلة عاطفية لهم به.

في هذا الواقع يتفكك النسيج العضوي للعائلة بالتدريج، حين يفقد البيت نبضه العاطفي، وتمسي الحياة المشتركة عاجزة عن إنتاج معنى للحياة، ويتوارى الحنان خلف شاشات باردة لا دفء فيها ولا بوح. تختبئ في هذا الواقع المرير صرخة الإنسان الوجودية، المنطلقة من هشاشته وخوفه، ومن وعيه باغترابه، ومن ظمأه الأنطولوجي إلى معنى يمنحه طمأنينة الحضور في العالم. تتوالد هذه الصرخة في عمق التجربة الوجودية للذات، في موضع سابق على السلوك الظاهر، وأبعد من أن تدركه المؤشرات القابلة للقياس. تلتقط الخوارزميات الأفعال كما تظهر على السطح، وتتعامل مع الإنسان بوصفه مجموعة أنماط قابلة للتوقع، بينما تعجز عن النفاذ إلى الألم الداخلي، وعن الإصغاء إلى الأنين الصامت الذي يتولد في أعماق الكائن البشري حين يفتقد المعنى. تقرأ الآلة ما يختاره الإنسان، وتستبق قراراته، غير أنها لا تلامس القلق الذي يفزعه، ولا تعرف مشاعره، ولا ترى أنين قلبه، ولا تدرك الاغتراب الذي يدفعه إلى البحث عن صلة تتجاوز العالم المحسوس.

في هذا العجز التقني عن ملامسة باطن الإنسان يتفاقم الاغتراب الميتافيزيقي، إذ يشعر الإنسان أن العالم الذي تديره الخوارزميات لا يعترف بحاجته للمعنى، ولا يرى وحشته، ولا يمنحه أفقًا يتسع لأسئلته الوجودية. تتسع هذه الغربة كلما جرى التعامل مع الإنسان بوصفه معطى رقميًا، لا ككائن يشعر، ويتألم، ويحنّ، ويخاف، ويبحث عن خلاص، ويتوق إلى حضور إلهي يروي ظمأه. في هذا الانكسار الوجودي تلوح الإنسانية الإيمانية بوصفها استعادة للإنسان من اغترابه، إذ تعيد وصل الإنسان بذاته، وتفتح أفقًا لمعنى يتجاوز جسده، وتؤسس لصلة حية بالله تتجلى في الرحمة، والرفق، واحترام الكرامة الإنسانية، بوصفها ثمرة لإيمان يشبع الحاجة الوجودية، لا من الإكراه أو البرمجة.

كل مشروع تنموي يتجاهل صرخة الإنسان الوجودية، ولا يعي حاجته العميقة إلى المعنى والمحبة والرحمة، ينقلب إلى مشروع لا إنساني، مهما تضخمت أرقامه، وتكاثرت منتجاته، وانخفضت كلفته المادية، وارتفعت أرباحه، ومهما تحدث عن الرفاه. تفقد التنمية معناها الإنساني حين لا تنبع من مركزية الإنسان وسلطته الأخلاقية على الأرض، وحين تنفصل عن حاجته العميقة إلى المعنى والحرية والكرامة. عندئذ تسير التنمية في مسار آلي، وتعمل بوصفها حالة صمّاء لتراكم الأشياء وتكثير الإنتاج، والتسويق، والاستهلاك، من غير اكتراث بما تخلّفه في قلب الإنسان من وجع. تستهلك هذه التنمية طاقة الروح، وتُنهك القلب، وتبلد المشاعر، وتدفع الإنسان إلى حياة مزدحمة بالأشياء وفقيرة بالمعاني. في هذا السياق يتراجع الإنسان من كائن يبحث عن معنى وجوده إلى عنصر داخل منظومة اقتصادية لا ترى فيه سوى مهنة وظيفية ورقم. هكذا يتسع الاغتراب، ويغدو الإنسان غريبًا عن ذاته، لأن التنمية التي لا تصون إنسانيته ولا تحرس كرامته وحريته وحقوقه لا تؤسس لحياة جيدة، وإنما تعمّق القطيعة بين الإنسان ومعنى وجوده، وتدفعه إلى اغتراب موجع يفقد فيه الشعور بالحضور والجدوى.

الاستثمار الحقيقي لا يقف عند توسيع الإنتاج وتعظيم الأرباح، وإنما يتحقق حين ينقذ الإنسان من التحول إلى شيء، ويعيد الاعتبار إلى قلبه وروحه ومشاعره، ويحرره من اختزاله رقمًا في خوارزمية، ومعطى إحصائيًا في تقرير. هناك فقط تستعيد التنمية معناها، حين تصير فعل رعاية، ومسؤولية أخلاقية، وطريقًا لصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا وسيلة لتكريس اغترابه وتجفيف منابع المعنى في حياته.

التنمية التي تنفصل عن مركزية الإنسان تفرغ وجوده من قيمته، وتحيل حياته إلى فراغ لا يشبع حاجته العميقة إلى المعنى، مهما تضاعف الإنتاج المادي. التكنولوجيا حين تخلو من القيم، ولا تحضر فيها الأخلاق، تنقلب سريعًا من أداة رفاه إلى آلة قهر، ويغدو العالم مصنعًا واسعًا يبتلع معنى إنسانية الإنسان، ويعيد تشكيله كشيء لا يختلف عن الأشياء التي يصنعها ويستهلكها. أمّا التنمية التي تستحق اسمها فتنبع من وعي باحتياجات الإنسان الوجودية والمعنوية، وتستمد معناها من صون الكرامة الإنسانية وترسيخها، ولا تختزل الإنسان في أداة إنتاج أو رقم استهلاك، وتحتضنه بوصفه كائنًا يعيش عطشًا أبديًا إلى المعنى، ويبحث عن حياة تنصت لظمأ روحه وأشواق قلبه، كما تلبي حاجاته المادية.

تعمل الرأسمالية على احتكار الذكاء الاصطناعي، وإذا نجحت في ذلك تتسيد على الأرض وتهيمن حتى على الإنسان، وتنكشف همجيتها كوحش كاسر يمتلك قدرات تتفوق على القدرات المتنوعة للإنسان في حقول الحياة كلها، من غير أن تمنع توحشها قوانين عادلة صارمة، أو تكبحها قيم راسخة. حينئذ تصبح خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى أداة استلاب واستعباد وقمع، ووسيلة فتاكة في الحروب، إذا افتقرت البيئة التشريعية والأخلاقية إلى ما يضبط انفلاتها ويكبح استغلالها ضد الإنسان وحقوقه وحرياته بوصفه سيد الأرض.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...