الحرب الظالمة ضد دول الخليج العربي: إيران في ميزان الفيلسوف القانوني كارل شميت

29 مارس 2026

د. علي الصديقي. باحث بحريني

كارل شميت، فيلسوف قانوني وسياسي ألماني شهير، اتُهم بمناصرة النازية بزعامة هتلر (فقيه التاج في دولة الرايخ الثالث). كانت له كتابات ومؤلفات في غاية الأهمية، ولكنه أهمل بسبب تلك الاتهامات. تركزت نظريته حول تعريف “السياسة” باعتبارها نموذجاً للتفرقة بين “الصديق والعدو” وهو جوهر كتابه “مفهوم السياسي” الصادر عام 1932م.

ينطلق شميت في وجوب أن تُوصف الحروب بأنها ذات طبيعة سياسية وليست إجرامية، أي تغلب “السياسي” على “الإجرام القانوني”، ويذهب إلى أنّ الخلط بين الاثنين سيقود إلى نتائج فادحة تؤدي إلى تبديد مفهوم الآخر بتاتاً وشرعنة الفتك به.

في الوقت الذي صنعت دول الخليج سياساتها في العشرين عاماً الماضية على قاعدة، تتخذ من القانون الدولي الحديث عنصراً واقعياً في العلاقات الدولية، أي وفق مفهوم وضعي متوازن يقول بأن الصداقة والعداء إنما تحكمها الاتفاقات والتفاهمات. في النقيض من ذلك اتخذت إيران عنصراً آخر متطرف يقوم على مبدأ “عدالة لاهوتية” بعيدة كل البُعد عن الواقعية السياسية.

لقد استدعت إيران بشكل واضح مفهوم “المقاتل غير النظامي” وهو ما أطلق عليه شميت مصطلح “البارتيزان (Partisan)” وهذا البارتيزان هو الذي لا يعترف بحدود السياسية وإنما يحوّل الأمر كله إلى ثنائية “مؤمن وكافر” أو “ثوري وخائن”، وبالتالي لا يستطيع البارتيزان العيش بدون وجود أطراف أخرى تُمدّ بالسلاح والمال والتدفق العقائدي للعمل بصورة وكلاء، وهي جماعات لا تنخرط في المفهوم القانوني للدولة المعاصرة، وظهرت تداعيات انفلاتها عن العقلانية السياسية لحظات اندلاع الحروب.

كما استخدمت إيران أيضاً شعارات لاهوتية، هي نفسها ما تجعل “الخصم السياسي” شريراً وبالتالي يقود هذا إلى نهاية السياسة التي كان يخشى منها كارل شميت، والتي تؤدي –في نظره– إلى محاكمات أخلاقية للخصم السياسي باسم الحق المطلق. استعملت إيران هذه الأفكار في ركن السياسة جانباً، لتبرير هجومها غير الأخلاقي على دول الخليج العربي، وبالتالي تصوير دول الخليج بأنها “عدو للإنسانية” و”عدو فلسطين”. لأنّ إيران ببساطة لا تملك مبررات أخلاقية تؤّمن لها عدالة ومشروعية اعتداءاتها على دول الخليج، فكان القرار السيادي من الحرس الثوري بتكريس تطابق مفهوم الخصم السياسي مع العدو المجرم الذي يجب محاربته.

هذا الخلط هو الذي يقود إلى حافة الهاوية ويقطع خطوط الرجعة والعقلانية، مما يُدخل النظام الإيراني في محاكمة أخلاقية في المستقبل ليست في صالح الشعب الإيراني.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...