الجزائر تسجل أضعف مشاركة في تاريخ انتخاباتها التشريعية

7 يوليو 2026

سعيد الزياني ـ دين بريس
سجلت الانتخابات التشريعية الجزائرية، التي جرت يوم الخميس 2 يوليوز 2026، أضعف مشاركة في تاريخ الاقتراعات البرلمانية في البلاد، بعدما بلغت النسبة، وفق النتائج المؤقتة المعلنة، 21.24 في المائة داخل الجزائر و10.75 في المائة لدى أفراد الجالية المقيمة بالخارج.

وكانت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات قد أعلنت، عند إغلاق مكاتب التصويت، نسبة أولية بلغت 20.79 في المائة، قبل أن ترتفع قليلا بعد استكمال عمليات الفرز وتجميع النتائج.

وتعني هذه الأرقام أن نحو أربعة أخماس الناخبين الجزائريين المسجلين اختاروا عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع، لذلك، تحولت المقاطعة إلى الحدث السياسي الرئيسي، وأصبح السؤال المتعلق بمن امتنع عن التصويت ولماذا أكثر أهمية من السؤال المرتبط بالحزب الذي تصدر النتائج.

وتزداد دلالة هذه النسبة عند مقارنتها بانتخابات يونيو 2021، التي سجلت مشاركة قاربت 23 في المائة، وكانت توصف وقتها بأنها الأدنى في تاريخ الانتخابات التشريعية الجزائرية.

وكان يفترض أن يشكل مرور خمس سنوات، وإعادة تنظيم المشهد الحزبي، والإجراءات الحكومية الهادفة إلى تشجيع المشاركة، فرصة لوقف التراجع، إلا أن اقتراع 2026 أكد استمرار المنحى نفسه، مع تسجيل مستوى أدنى من المشاركة السابقة.

واتخذت السلطات الجزائرية عدة تدابير لتسهيل التصويت، من بينها إعلان يوم الاقتراع عطلة مدفوعة الأجر، وتوفير تسهيلات في النقل والعمل، وتمديد فترة التصويت في بعض المناطق، ومع ذلك، لم تنجح هذه التدابير في إحداث تحول ملموس في إقبال المواطنين.

ويشير ذلك إلى أن أزمة المشاركة لا ترتبط أساسا بصعوبة الوصول إلى مكاتب التصويت أو بضيق الوقت، وإنما تتصل بدرجة أعمق بإحساس قطاع واسع من الجزائريين بأن الاقتراع لا يغير بصورة واضحة اتجاه السياسات أو موازين القرار.

ومن هذه الزاوية، تعكس نسبة الامتناع أزمة ثقة، فالناخب الذي لا يرى فارقا جوهريا بين النتائج المحتملة، أو يشعر بأن البرلمان يملك هامشا محدودا أمام السلطة التنفيذية، تقل لديه دوافع المشاركة، حتى عندما تتعدد الأحزاب والقوائم، وتصبح الانتخابات، في نظره، عملية لإعادة توزيع المقاعد داخل بنية سياسية مستقرة سلفا، من دون أن تفتح المجال أمام تغيير فعلي في السياسات العامة.

وترتبط هذه الأزمة أيضا بإرث الحراك الشعبي الذي انطلق سنة 2019، ورفع مطالب تتعلق بإصلاح النظام السياسي وتوسيع المشاركة وإقامة مؤسسات أكثر استقلالا وتمثيلا، وقد نجح الحراك في منع الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة من الترشح لولاية خامسة ودفعه إلى الاستقالة، إلا أن الزخم الاحتجاجي تراجع خلال جائحة كورونا، ثم واجهت شخصيات ووسائل إعلام وجمعيات محسوبة عليه قيودا ومتابعات متزايدة.

ولم تتمكن المؤسسات التي أُنشئت أو عُدلت بعد الحراك من استعادة ثقة الفئات التي طالبت بتغيير أعمق في قواعد ممارسة السلطة.

وأثار مسار الترشيحات بدوره جدلا واسعا، بعد استبعاد أعداد كبيرة من الراغبين في خوض الانتخابات، بينهم شخصيات محسوبة على المعارضة ونشطاء ارتبطت أسماؤهم بالحراك، وقد بررت السلطة الانتخابية هذه القرارات بتطبيق قوانين تتعلق بمكافحة الفساد و”المال الفاسد” والأنشطة السياسية المشبوهة، فيما اعتبر منتقدون أن بعض المعايير استُخدمت لتقييد المنافسة وإبعاد مرشحين قادرين على إرباك التوازنات القائمة.

ومهما كان التقييم القانوني لكل حالة، فإن اتساع دائرة الاستبعاد عزز لدى جزء من الرأي العام الانطباع بأن نتائج المنافسة يمكن توقعها قبل فتح صناديق الاقتراع.

ولا ينفصل العزوف عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية، فقد جرت الانتخابات في ظل انشغال متزايد بالقدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة وتراجع بعض الخدمات العامة، وهي قضايا بدت أكثر إلحاحا لدى فئات واسعة من المواطنين من برامج الأحزاب وخطابات المرشحين.

وعندما يشعر المواطن بأن المؤسسات المنتخبة لا تمتلك الأدوات الكافية لمعالجة هذه الملفات، يتحول الاستياء الاقتصادي إلى ابتعاد عن السياسة الرسمية، عوض أن يتحول إلى تصويت عقابي لصالح أحزاب منافسة.

وتحمل نسبة مشاركة الجالية في الخارج، التي لم تتجاوز 10.75 في المائة، دلالة إضافية، فضعف الإقبال خارج البلاد يصعب تفسيره فقط بالضغوط الاقتصادية اليومية أو بظروف العمل داخل الجزائر، وقد يشير إلى فتور في الارتباط بالمؤسسات السياسية وإلى شعور لدى قطاعات من الجالية بأن أصواتها لا تؤثر بصورة جدية في الخيارات الوطنية، رغم حضور قضايا الهجرة والجالية بكثافة في الخطاب الرسمي.

وكلما ضعفت المشاركة، زادت صعوبة إقناع المواطنين بأن المؤسسات المنتخبة قادرة على استيعاب الخلافات الاجتماعية والسياسية وإنتاج حلول تحظى بالقبول.

لقد أفرزت انتخابات يوليوز 2026 مجلسا جديدا وخريطة حزبية محدثة، لكنها أعادت إنتاج السؤال القديم حول علاقة الجزائريين بمؤسساتهم، وتصدرت جبهة التحرير الوطني ترتيب المقاعد، فيما تصدرت المقاطعة المشهد السياسي العام.

لذلك، قد تكون النتيجة الأهم لهذا الاقتراع أن الأزمة الجزائرية هي أزمة ثقة في قدرة الانتخابات نفسها على فتح طريق نحو التغيير.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

إسكوبار الصحراء.. إنذار سياسي

تدفع الأحكام الصادرة في ملف “إسكوبار الصحراء” إلى طرح أسئلة تتجاوز حدود الواقعة الجنائية وأسماء المتابعين والعقوبات التي نطقت بها المحكمة، ذلك أن الأمر يتعلق بقضية كشفت، بقدر كبير من الوضوح، حجم المخاطر التي تنشأ حين يتقاطع المال المشبوه مع النفوذ المحلي، وحين تتحول بعض الواجهات السياسية والرياضية والاقتصادية إلى معابر لصناعة وجاهة لا تستند […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...