الجزائر بين ارتدادات الحرب الإيرانية وهواجس الصمت الدبلوماسي

9 مارس 2026

عبده حقي
مما لاشك فيه أنه لا تُقاس مواقف الدول بما تقوله فقط، بل بما تختار أن تصمت عنه. فالصمت في السياسة ليس دائما حياداً، بل قد يكون لغة أخرى من لغات الحكمة أو الخوف أو الحذر أو حسابات الاستمرارية.

هذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في الموقف الجزائري من التطورات المتسارعة المرتبطة بالحرب الدائرة حول إيران، وهي حرب أخذت في الأيام الأخيرة أبعاداً جيوسياسية عميقة بعد الضربات التي طالت النظام الإيراني وتصاعد التوتر بين طهران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج من جهة أخرى.

فالجزائر، التي اعتادت عبر تاريخها الدبلوماسي أن ترفع شعارات الممانعة والدفاع عن قضايا “المعسكر المناهض للغرب”، تبدو اليوم وكأنها تمشي على حبل بهلواني رفيع بين خطابها الإيديولوجي التقليدي وبين حسابات الواقع الدولي الجديد.

ومن هنا يبرز سؤال محوري: لماذا التزمت الجزائر هذا الصمت الحذر والمربك تجاه ما يجري في إيران؟ وما هي التداعيات المحتملة لهذه الحرب على الوضع الداخلي في الجزائر؟

منذ سنوات طويلة نسجت الجزائر علاقات سياسية وأمنية مع إيران في إطار ما يمكن تسميته بتحالفات الظل داخل ما يعرف بمحور مناهضة النفوذ الغربي في المنطقة.

وعلى الرغم من أن هذه العلاقة لم تكن دائماً معلنة بوضوح، فإنها ظلت حاضرة في خلفية التوازنات الإقليمية، سواء عبر التنسيق الدبلوماسي أو عبر تقاطع المواقف في بعض الملفات الدولية.

لكن ما يجري اليوم يختلف عن كل ما سبق. فالحرب ضد إيران ليست مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل تبدو أقرب إلى إعادة رسم لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط. ومع سقوط بعض الرموز السياسية الكبرى في النظام الإيراني وتزايد الضغوط الدولية، أصبح واضحاً أن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع القوة في العلاقات الدولية وخصوصا مع الصين وروسيا.

في هذا السياق، تجد الجزائر نفسها في وضع دقيق لا تحسد عليه. فهي من جهة لا تريد أن تخسر علاقاتها التاريخية مع إيران، التي كانت تُقدم لها في بعض اللحظات كحليف سياسي في مواجهة الضغوط الغربية.

لكنها من جهة أخرى تدرك أن ميزان القوى العالمي لا يسمح لها بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو أوروبا، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد الجزائري الكبير على صادرات الطاقة إلى الأسواق الغربية.

ولهذا السبب ربما اختار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سياسة النعامة والصمت المريب. فالتصريحات الرسمية الجزائرية حول الحرب الإيرانية تكاد تكون غائبة أو شديدة الحذر، وكأن الدولة الجزائرية تراقب المشهد من بعيد، محاولة تفادي أي موقف قد يُفسر كاصطفاف واضح في هذا الصراع الدولي الحاد.

غير أن هذا الصمت لا يعني أن الجزائر بمنأى عن تداعيات الحرب. بل على العكس من ذلك ، فهناك عدة سيناريوهات محتملة قد تجعلها من أكثر الدول المتأثرة بهذه التطورات.

أول هذه السيناريوهات يتعلق بالوضع الاقتصادي. فالحروب الكبرى في الشرق الأوسط غالباً ما تؤدي إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.

ورغم أن الجزائر قد تستفيد على المدى القصير من ارتفاع أسعار النفط والغاز، فإن هذه الفائدة تبقى هشة ومؤقتة، لأنها قد تترافق مع اضطرابات مالية عالمية أو تراجع الطلب في حال دخول الاقتصاد الدولي مرحلة ركود.

أما السيناريو الثاني فيرتبط بالتوازنات الأمنية في المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي. فإضعاف إيران قد يؤدي إلى إعادة تشكيل شبكة التحالفات الإقليمية، وهو ما قد يدفع بعض القوى الدولية إلى تعزيز حضورها في مناطق مثل الساحل والصحراء، وهي مناطق تعتبرها الجزائر مجالاً استراتيجياً لنفوذها التقليدي.

السيناريو الثالث ذو طابع سياسي داخلي. فالأنظمة السياسية التي بنت جزءاً من خطابها على فكرتي “الممانعة” و“المعسكر المقاوم للهيمنة الغربية” قد تجد نفسها في مأزق إيديولوجي إذا انهار أحد أبرز رموز هذا المعسكر. وهذا ما قد يضع السلطة الجزائرية أمام تحدي إعادة صياغة خطابها السياسي بما يتناسب مع الواقع الدولي الجديد.

لكن ربما السيناريو الأكثر حساسية هو ما يتعلق بالعلاقات مع واشنطن. فالولايات المتحدة ما تزال تمثل قوة مركزية في النظام الدولي، وأي دولة تحاول الاصطفاف بشكل واضح ضدها قد تجد نفسها أمام ضغوط سياسية واقتصادية كبيرة. ومن هنا يمكن فهم الحذر الجزائري، وربما حتى التخوف من اتخاذ موقف صريح قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية.

إن ما يحدث اليوم يكشف مرة أخرى عن مفارقة عميقة في السياسة الدولية: فالدول التي ترفع شعارات الحيادية السلبية تجد نفسها أحياناً مضطرة إلى ممارسة دبلوماسية الصمت عندما تتغير موازين القوى العالمية. والجزائر ليست استثناءً من هذه القاعدة.

ففي عالم تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه الشعارات، يصبح الانكماش في المنطقة الرمادية أحياناً خياراً سياسياً انهزاميا بحد ذاته. لكن المشكلة أن هذه المنطقة الرمادية لا تدوم طويلاً، لأن التاريخ في لحظات التحول الكبرى يفرض على الدول أن تختار موقعها في الخريطة الجديدة للقوة.

وهنا يبرز السؤال الأكبر: هل تستطيع الجزائر الاستمرار في هذه السياسة المترددة بين خطاب الماضي ومتطلبات الحاضر؟ أم أن التحولات الجارية ستجبرها في النهاية على إعادة تعريف موقعها في النظام الإقليمي والدولي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تتضح في الأيام القليلة المقبلة فقط، بل ربما في السنوات القادمة أيضاً. فالحرب الدائرة حول إيران ليست مجرد صراع عسكري عابر، بل قد تكون بداية مرحلة تاريخية جديدة تعيد ترتيب التحالفات والحدود السياسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الصمت مجرد موقف دبلوماسي… بل يصبح علامة على قلق عميق من مستقبل لم تتضح معالمه بعد.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...