التعليقات على الفضاء الرقمي بين الصدق والمجاملة

31 مارس 2026

د. صلاح الدين المراكشي 

إمام وخطيب ومؤطر ديني بفرنسا 

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي، بمختلف أنواعها ومنها الفايسبوك، نعمة عظيمة من جهة، فقد قرّبت المسافات ووسّعت فضاءات المعرفة، والتعبير، والحوار، والتواصل،غير أنها من جهة أخرى كشفت عن بعض الجوانب السلبية في سلوكيات بعض المستخدمين، ومن أبرزها: ” المجاملة الزائفة مقابل الصدق في التعليقات الرقمية ” ! ولتوضيح ذلك، سأحكي تجربة شخصية مع شخص أعرفه، بيني وبينه تبادلات علمية وفكرية كنت دائمًا أتفاعل مع صفحته على الفايسبوك بإيجابية، أعلق على بعض منشوراته وأشارك أفكاره حين أراها مناسبة، وفي أحيان أخرى لم أعلق على بعض منشوراته؛ إذا لم توافق قناعتي فكنت أعبر عن رأيي الصادق، وكان يراقب كل تفاعل مني، وكأنه يتوقع مني دومًا الموافقة أو المجاملة، حتى لو لم يكن ما ينشره أحياناً يستحق الإعجاب أو التعليق. وفي إحدى المرات، لم أعلق على منشور له، فشعرت من خلال تصرفه وكأن عدم التفاعل يُعتبر تقصيرًا أو تقليلًا من تقديري له أو من مكانته.

من هذه التجربة تعلمتُ أن بعض الناس يبحثون عن المجاملة في التعليقات على الفضاءات الرقمية ! يريدون أن تُظهر لهم إعجابك أو تأييدك حتى ولو لم تكن صادقًا، متجاهلين الحقيقة مقابل شعورهم بالرضا أو تعزيز مكانتهم. وهذا يعكس جانبًا من النفاق في الفضاء الرقمي، حيث تختلط المجاملة بالصدق، وتُقدَّر العلاقات أحيانًا بناءً على التملق وليس على الحقائق والمبادئ. ولا يمكن إنكار أن هذه الظاهرة؛ فهي موجودة على نطاق واسع؛ فكم من أشخاص يُمدحون ويُثنى عليهم على مختلف الفضاءات بأساليب وألفاظ مبالغٍ فيها، فتغرق بعض التعليقات في المديح الزائف، الذي لا يعكس حقيقة المنشور ولا صاحبه.

وقد يكون الدافع وراء هذه الشهادة الكاذبة: إما مجاملة، أو تملق أو طلب مصلحة دنيوية..، أو نيل حظوة مرجوة عند صاحب الصفحة أو غير ذلك. فهذا النوع من السلوك يختل به ميزان الاستحقاق، فيُحرم المستحق من التقدير؛ الذي يعزز جهده، بينما يُغذّى غير المستحق بوهم التفوق، فيستمر في تقديم محتوى لا يرقى إلى انتظارات المتلقي ولا يعكس الحقيقة والواقع. ومع تكرار هذا المشهد، تتشكل ثقافة عامة يُقاس فيها النجاح بعدد الإعجابات، لا بصدق المحتوى، ويصبح : “من قال : ”؟! أهم عند بعض الناس من “ماذا قيل”؟!. وهذا النوع من السلوك بعيد كل البعد عن القيم التي أكد عليها الإسلام، وعلى رأسها الصدق، ومطابقة القول للفعل. فالمدح الكاذب والتملق يدخل ضمن صور الكذب المعنوي، وقد يرقى إلى شهادة زور، لأنه يمنح تقييمًا لا يعكس الحقيقة، كما أن السعي إلى كسب إعجاب الآخرين عبر تعليقات مزيفة يقترب من الرياء، الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم واعتبره من أخطر ما يفسد العمل.

ولا يعني ذلك أن المدح مذموم في ذاته، بل هو محمود إذا كان صادقًا، يهدف إلى تشجيع الخير وتقدير الجهد. أما إذا تحول إلى أداة للمجاملة أو لتحقيق مصالح شخصية، فإنه يفقد قيمته الأخلاقية ويصبح نفاقًا مقنّعًا.

ولا يقتصر الأمر على المجاملات فحسب، بل يشمل التناقض ايضاً بين ما يُنشر وما يُمارس في الواقع، فنرى من يكثر من نشر النصائح والتوجيهات لكنه لا يطبقها، أو من يبالغ في إظهار مشاعر معينة لكن لا وجود لها في حياته الواقعية، فيتحول الفضاء الرقمي إلى مسرح للأقنعة،لا مرآة للحقيقة.

إن علاج هذه الظاهرة -في نظري- يبدأ من النفس، فكل مستخدِمٍ مسؤول عن كلماته وتفاعلاته؛ فالتعليق كلمة، والإعجاب موقف، وكل ذلك يُسجل ويُكتب في صحائف الأعمال، كما قال الله تعالى: ( ستُكتبُ شهادتُهم ويُسألون ) سورة الزخرف الاية : 19. فإذا استحضر المستخدِم مراقبة الله ومحاسبته، فإنه سيعيد النظر في طبيعة تفاعلاته، ويختار الصدق والإخلاص على المديح الزائف والمجاملة. ويبقى السؤال مفتوحًا لكل مستخدِم: هل نعلِّقُ فعلاً بما نؤمنُ به ؟! أم بما يرضي الآخرين ويرضون به عنا ؟

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...