التجديد الديني: سؤال المعنى في زمن المستجدات المعاصرة
الشيخ الصادق العثماني ـ أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
لا يمكن فهم التجديد الديني خارج سياقه الوجودي العميق، بوصفه سؤالًا عن معنى الدين في حياة الإنسان، وعن وظيفة الوحي في عالم متغير، وعن العلاقة الدقيقة بين الثابت والمتغير في التجربة الإسلامية. فالدين لم ينزل ليكون ذاكرة تاريخية، ولا ليُختزل في منظومة من الأحكام المنفصلة عن غاياتها، بل جاء ليهدي الإنسان في مسيرته المفتوحة، وليمنحه أفقًا أخلاقيًا ومعنويًا يقيه السقوط في العبث أو العنف أو التيه .
من هذا المنظور، يصبح التجديد الديني ليس استجابة للضغط الخارجي، ولا تنازلًا أمام تحولات العصر، بل فعل وفاء لجوهر الرسالة الإسلامية. فالحديث النبوي يقر هذا بوضوح: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» والحديث الشريف هنا لا يتحدث عن تغيير الدين، بل عن تجديد له، أي إعادة الدين إلى حضوره الفاعل في الوعي والواقع، بعد أن يغشاه الغبار، أو يُختزل في قوالب جامدة تفقده روحه .
إن إحدى المعضلات الكبرى في تاريخ التدين هي الخلط بين الدين وفهم الدين، وبين الوحي وتجلياته التاريخية . فكل جيل ينتج فهمه الخاص للنص، متأثرًا بسياقه وأسئلته وأدواته المعرفية، غير أن هذا الفهم – مهما بلغ من العمق – يظل اجتهادًا بشريًا نسبيًا . وحين يتحول النسبي إلى مطلق، والاجتهاد إلى عقيدة، تبدأ أزمة الدين لا أزمة الواقع . وهنا بالذات تنشأ الحاجة الملحّة إلى التجديد، بوصفه تحريرًا للعقل الديني من وهم الاكتمال .
لقد بُني الفقه الإسلامي، في أزهى عصوره، على وعي عميق بالمقاصد، وعلى إدراك أن الأحكام وسائل لا غايات، وأن النصوص لا تُفهم بمعزل عن عللها وحِكمها . ولم يكن الخلاف الفقهي يومًا دليل ضعف، بل علامة حيوية، لأن الاختلاف يعكس وعيًا بتعدد زوايا النظر، وبأن الحقيقة الواحدة قد تُقارب من مسارات متعددة . غير أن هذا الوعي تراجع حين ساد منطق التمذهب المغلق، وتحولت المدارس الفقهية من مناهج اجتهاد إلى هويات صلبة، تخشى السؤال وتقاوم المراجعة .
إن الفجوة القائمة اليوم بين الفقه والواقع ليست دليلًا على عجز الدين، بل على قصور في آليات الفهم والتنزيل . فالعالم تغيّر في بنيته العميقة: في تصور الإنسان لذاته، وفي علاقته بالسلطة، وبالمعرفة، وبالحرية، وبالزمن . وكل خطاب ديني يتجاهل هذه التحولات، أو يكتفي بإجابات تعود إلى سياقات ماضية، محكوم عليه بأن يفقد تأثيره، أو – وهو الأخطر – أن يتحول إلى خطاب صدامي، يرى في العالم عدوًا وفي الإنسان خطرًا .
ومن رحم هذا الانفصال، يولد التطرف، لا بوصفه زيادة في التدين، بل بوصفه اختزالًا له . فالفكر التكفيري يقوم، في جوهره، على رؤية أحادية للعالم، وعلى وهم امتلاك الحقيقة كاملة، وعلى تحويل الدين من رسالة هداية إلى أداة فرز وإقصاء . وهو فكر يعادي المقاصد قبل أن يعادي الناس، لأنه يهدم مقصد الرحمة باسم الغيرة، ويقتل مقصد حفظ النفس باسم العقيدة، ويصادر العقل باسم النص . وقد نبّه القرآن إلى خطورة هذا المسلك حين جعل العدل قيمة مطلقة، حتى مع المخالف، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (سورة المائدة، الآية 8).
إن التجديد المقاصدي لا يبدأ من السؤال: ماذا نغيّر؟ بل من السؤال الأعمق: لماذا شُرع هذا الحكم؟ وما الغاية التي أرادها الشارع؟ وكيف يمكن تحقيق هذه الغاية في سياق جديد دون خيانة للأصل؟ فالمقاصد ليست بديلًا عن النص، بل بوصلته الداخلية، وبدونها يتحول النص إلى حرف جامد، يفقد قدرته على الهداية . ولهذا كان المقصد، في جوهره، فعل عقل وأخلاق، لا مجرد تقنية فقهية.
ولا يكتمل أي حديث عن التجديد الديني دون استحضار البعد الروحي، لأن أزمة العصر ليست فقهية فقط، بل وجودية . فالإنسان المعاصر، رغم وفرة المعرفة، يعاني فراغًا في المعنى، وقلقًا في الهوية، وتوترًا في العلاقة مع الذات والآخر . والدين، حين يُقدَّم بلا روح، يزيد هذا القلق بدل أن يخففه . إن التصوف السني، القائم على تزكية النفس، وضبط الغرائز، وتحرير القلب من الحقد والكراهية، يمثل رافعة أساسية لإعادة التوازن إلى التدين، حتى لا يتحول إلى “أيديولوجيا” صلبة بلا رحمة .
إن التجديد، في أفقه العميق، هو استعادة للسؤال الأخلاقي في الدين: كيف يكون الإسلام قوة بناء لا أداة هدم؟ وكيف يكون حضور المسلم في العالم شهادة على القيم لا صراعًا دائمًا؟ وكيف يمكن للدين أن يظل وفيًا لذاته، ومنفتحًا على عصره في آن واحد؟ هذه الأسئلة لا تُجاب بنص واحد، ولا بفتوى معزولة، بل بمسار طويل من الاجتهاد، والشجاعة الفكرية، والتواضع المعرفي .
وفي الختام، يظل التجديد علامة صحة لا علامة ضعف، ودليل حياة لا دليل تفريط . فالدين الذي لا يتجدد في فهمه، يتكلس في ممارسته، والدين الذي يفقد مقاصده، يفقد روحه . أما الدين الذي يُعاد ربطه بالإنسان، وبالعدل، وبالمعنى، فإنه يظل قادرًا على الهداية، مهما تغيّر الزمان وتبدلت الأحوال .
التعليقات