التأويل الهيرمينوطيقي للنص الديني في السياقين الغربي والإسلامي
عبد الكريم المحيحش
تعد الهيرمينوطيقا من أبرز المناهج والمقاربات التأويلية التي شغلت الفكر الإنساني عبر التاريخ، حيث مثلت أداة لإعادة فهم النصوص عامة والدينية خاصة، في ضوء التحولات الفكرية والفلسفية التي عرفتها الحضارة الإنسانية.
وإذا كانت الممارسة الهيرمينوطيقية في الفكر الغربي قد شهدت تطورا عميقا انتقل بها من محاولة فهم النص وإدراك مقاصده، إلى تحريره وفصله عن مصدره، فإن الفكر الإسلامي عرف بدوره أشكالا من الممارسات التأويلية المنحرفة التي بدأت مع بعض المذاهب والاتجاهات الباطنية، وانتهت مع بعض النخب الفكرية العربية، التي استلهمت الطرح الهيرمينوطيقي الغربي نفسه القائم على التصور الوضعي للدين.
فما هي إذن أبرز ملامح التأويل الهيرمينوطيقي في السياقين الغربي والإسلامي؟ وكيف نشأ وتطور عبر تاريخه الطويل؟ وما هي أهم الإشكالات التي يطرحها؟ وكيف يمكن تجاوزها؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال هذا السياق التركيبي النقدي المقارن:
أولا: التأويل الهيرمينوطيقي في السياق الغربي
من المعلوم أن الهيرمينوطيقا الغربية قد نشأت ضمن سياق فلسفي لاهوتي، حيث حظيت باهتمام خاص في مجال الفلسفة منذ العصر اليوناني، كما يتضح ذلك من خلال أعمال بعض الفلاسفة مثل أرسطو الذي اهتم بموضوع التأويل في كتابه الأرغانون، كما ارتبطت أيضا بتأويل النص الديني خلال فترات من التاريخ الغربي، في ظل استعصاء فهم الكثير من النصوص الدينية، الشيء الذي اضطر معه بعض أتباع الديانتين اليهودية والمسيحية خاصة، إلى تبني هذه القراءة في تأويل النصوص التوراة والإنجيل.
لقد بدأت المحاولات الأولى لتطبيق هذه القراءة على النص الديني في فترة مبكرة من التاريخ الغربي، بسبب الضغط الذي مارسته الفلسفة على هذا النص، حيث اعتبرته نصا مليئا باللاعقلانية والخرافات والأساطير، وبالتالي تم تحويله إلى مجرد رموز وإشارات تحمل في طياتها مضامين تتجاوز الفهم التقليدي المتعارف عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن استعمال هذه القراءة التأويلية في تاريخ الفكر الغربي قبل عصر النهضة، سواء تعلق الأمر بالنص الديني أو بغيره، كان الهدف منه هو الوصول إلى معنى النص ومصدره، ولم تكن هناك أية دعوة للقطيعة بين المتلقي وبين مصدر النص.
غير أن المرحلة التي ستشكل قفزة نوعية كبرى في مسار الهيرمينوطيقا الغربية، هي تلك التي حدثت خلال القرن الثامن عشر مع ظهور التيار العقلاني والفلسفة الوضعية، بحيث تحول الاهتمام، من محاولة ربط المتلقي بمصدر النص ومعرفة مقاصد صاحبه، إلى تحرير فهم القارئ من تلك المقاصد والقيم التي يحملها النص.
لقد قامت الهيرمينوطيقا الغربية إبان عصر النهضة الأوروبية على مجموعة من المبادئ والأسس من بينها ما يعرف بفكرة “موت الإله” النتشوية التي كان لها تأثير بالغ على الحياة الدينية في أوروبا، وفكرة “موت المؤلف” التي ظهرت مع البنيوية، وهي فكرة تقوم على أساس التعامل مع النص باعتباره بنية مغلقة مكتفية بذاتها.
وقد أدى هذا التصور إلى إحلال الدلالة محل المعنى، والتاريخية والنسبية محل الثبات والإطلاق؛ بحيث لم تعد الدلالة تنبع من المتكلم أو المؤلف كما كان في الماضي، بل من القارئ، فالقارئ وفق هذا التصور هو الذي ينتج الدلالة، وبالتالي يمكن اعتباره هو منتج النص بمعنى من المعاني.
وقد أدت هذه القراءة التأويلية الجديدة إلى تعدد الدلالات بتعدد القراء للنص الواحد، الأمر الذي طرح إشكالية الثبات في مقاصد المؤلفين والمتكلمين.
إن من أهم الأسباب التي دعت إلى تطبيق هذه القراءة الهيرمينوطيقية، هو محاولة التخلص من منظومة القيم المرتبطة بتلك النصوص ذات التأثير الثقافي والاجتماعي في النسق الفكري الغربي سواء كانت دينية أو بشرية.
ولئن كانت الفلسفة الوضعية قد تعايشت مع الأخلاق المسيحية، بما هي ضرورة عملية لتأطير السلوك الفردي والجماعي، فإنها قد قطعت الصلة بين هذه الأخلاق ومصدرها الذي هو الله، وعملت على تحرير فهم القارئ من المقاصد الإلهية، ومن المضامين الأصلية للنصوص الدينية.
والسبب في هذا التطور الهيرمينوطيقي راجع بالأساس إلى الإنجازات التي أحدثتها الثورة العلمية في علم الطبيعة، الأمر الذي كان له تأثير على الحياة الفكرية والاجتماعية والأدبية في المجتمع الأوروبي، ما جعل الكثير من رواد الفكر الغربي، يتطلعون إلى صياغة العلوم الإنسانية والاجتماعية على صورة العلوم الطبيعية، التي ترتكز أساسا على الواقع المادي باعتباره النموذج الأوحد لبناء المعرفة الحقة.
ومن هذا المنطلق اعتبرت الفلسفة الأوروبية الحديثة أن الدين مجرد إفراز من إفرازات العقل البشري، ناسب مرحلة طفولة هذا العقل، التي تلتها مرحلة الميتافيزيقيا التي توارت هي الأخرى بعد ظهور الفلسفة الوضعية.
وإذا كان الدين بحسب هذا المنطق المادي مجرد إفراز بشري، فإن المنطق نفسه يقتضي إخضاعه لتلك التطبيقات الهيرمينوطيقية الحديثة، لتحويل ما فيه من مضامين وتصورات غيبية ميتافيزيقية إلى مجرد رموز وإشارات تجعل منه دينا طبيعيا لا يتناقض مع مبادئ الفلسفة الوضعية وقوانين علم الطبيعة.
ثانيا: التأويل الهيرمينوطيقي في السياق الإسلامي
إذا كانت الحضارة الغربية قد عرفت هذا النوع من الممارسة التأويلية التي أفرغت الدين من محتواه، فإن الفرق الباطنية التي ظهرت في التاريخ الإسلامي قد نسجت على المنوال نفسه، ومن ثم يمكن اعتبارها نسخة شرقية من هذه الهيرمينوطيقا الغربية.
فالتأويل الباطني شأنه شأن هيرمينوطيقا النص الديني في التراث الغربي، يعمم التأويل في كل النصوص دون تمييز بين المحكم منها والمتشابه، ودون اعتبار لا المواضعات اللغوية ولا لمنطق الثوابت الدينية والاعتقادية الراسخة.
وعلى هذا النمط العبثي في التأويل نجد الكثير من الفرق التي ظهرت في التاريخ الإسلامي، كالإسماعلية التي اعتبرت بأن الظاهر ينسخ الباطن، بل يكاد تأويلها الباطني ينسخ الإسلام بكامله، والنصيرية التي بلغت أعلى دراجات الغلو في التأويل الباطني إلى درجة تأليه الإمام علي كرم الله وجهه، والدروز الذين ساروا على الدرب نفسه من الغلو في التأويل، بعدما اعتبروا أن الظاهر هو العذاب والباطن هو الرحمة، وأن لكل ناطق أساس والأساس يؤول ما جاء به الناطق، ويقصدون بالناطق محمد صلى الله عليه وسلم وبالأساس الإمام علي رضي الله عنه. غير أن هذه الفرق بالنسبة لحضارتنا الإسلامية، قد ظلت هامشية ومنحصرة في دوائر ضيقة، بسبب عقلانية الإسلام ونصوصه المحكمة.
ومن جهة أخرى فإن هذه الفرق الباطنية، بالرغم مما وقعت فيه من غلو وانحراف في فهم النصوص، والذي يحاكي إلى حد ما هيرمينوطيقا النص الديني في التراث الغربي، فإنها ظلت محافظة على العلاقة بين النص الديني ومصدره، على عكس ما ذهبت إليه الهيرمينوطيقا الوضعية التي أقامت القطيعة التامة بين النص الديني ومصدره الإلهي.
وإذا ما تجاوزنا هذه الفرق الباطنية التي ظلت تراوح مكانها دون أن يكون لها كبير أثر على المجتمع الإسلامي، فإن التصور الوضعي للدين الذي ألقى بظلاله على الفكر الغربي المعاصر في ظل هيمنة الفلسفة الوضعية، قد حملته رياح الغزو الفكري لتلقي به في البيئة الإسلامية، على يد فئة من المثقفين العرب الذين تأثروا بهذا التصور الفلسفي في التعاطي مع النصوص الدينية، ومن ثم أخذوا ينادون بدورهم بتأويل نصوص الدين الإسلامي، تحت يافطة ما يسمى بتجديد الخطاب الديني، ومن هؤلاء الذين حملوا هذه الدعوة محمد أركون ونصر حامد أبوا زيد وحسن حنفي غيرهم.
وفي هذا الصدد نجد حسن حنفي في كتابه التراث والتجديد وهو يحاول تأويل أقدس المقدسات الذي هو لفظ الجلالة، حيث يقول:” فالله لفظ نعبر به عن صرخات الألم وصيحات الفرح، أي أنه تعبير أدبي أكثر منه وصفا لواقع، وتعبير إنشائي أكثر منه وصفا خبريا. فالله عند الجائع هو الرغيف، وعند المستعبد هو الحرية، وعند المظلوم هو العدل، وعند المحروم عاطفيا هو الحب، وعند المكبوت هو الإشباع، أي أنه في معظم الحالات صرخة المضطهدين. والله في مجتمع يخرج من الخرافة هو العلم، وفي مجتمع يخرج من التخلف هو التقدم”.
وفي الختام أقول: لقد أجمعت كل الفرق والمذاهب الفكرية المعتبرة في تاريخ الفكر الإسلامي، على رفض هذا النوع من التأويلات العبثية التي عرفتها الحضارة الغربية وتأثر بها فريق من بني جلدتنا، ومن ثم وضع العلماء قوانين معيارية ضابطة لعملية التأويل، كما نجد ذلك عند الإمام الغزالي وابن رشد وغيرهما، ومن هذه الضوابط: المعرفة بأصول اللغة العربية وبعادات العرب في الاستعمال في استعاراتها ومجازاتها ومناهجها في ضروب الأمثال، وقيام البرهان على استحالة الظاهر، وعدم مخالفة ما هو من أصول العقيدة أو من مبادئ الشريعة، فضلا عن عدم مخالفة ما هو ثابت بالتواتر أو ما هو مجمع على ظاهره.
وبهذه الضوابط العلمية والموضوعية الصارمة وغيرها من الضوابط الأخرى التي لم نرد الإطالة بسردها، أصبحت الممارسة التأويلية في إطار الفكر الإسلامي الرسمي، بعيدة عن ذلك العبث الهيرمينوطيقي الذي عرفته الحضارة الغربية والذي أصبح من أبرز سماتها الحضارية.
التعليقات