الاستغراب الإسلامي والتحرر المعرفي: قراءة في رؤية الدكتور محمد الناصري لأخلاقيات التعارف وأسُس التواصل الحضاري
أحمد المهداوي
تُقدّم الدراسة المعنونة بـ”نحو علم استغراب عربي إسلامي: قراءة في المفهوم والدواعي والمداخل النظرية” للدكتور محمد الناصري، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السلطان مولاي سليمان-المغرب، قراءة نقدية وتأسيسية لمفهوم الاستغراب كضرورة حضارية وواجب شرعي لمواجهة الهيمنة الفكرية الغربية.
ويتعرض الدكتور الناصري، في دراسته، لمفهوم علم الاستغراب وسياقه التاريخي، ويُعرف البحث علم الاستغراب بأنه العلم الذي يُمكّن من دراسة الغرب وفهم منطلقاته الفكرية، وأنساقه الحضارية، ونظم حياته الثقافية على أسس علمية وعملية، ويرى الباحث أن هذا العلم يمثل “الوجه الآخر النقيض للاستشراق”؛ فبينما قام الاستشراق على دراسة “الأنا” الأوروبي لـ”الآخر” الشرقي لتحويله إلى موضوع مدروس، يسعى الاستغراب إلى تحويل “الأنا” الإسلامي من موضوع مدروس إلى “ذات دارسة”، مما يسهم في فك عقدة النقص التاريخية والقضاء على مركّب العظمة لدى الآخر.
ويشير الدكتور الناصري إلى أن إرهاصات هذا العلم بدأت منذ فترة بعيدة، إلا أن صياغته النظرية والمنهجية تبلورت بشكل أساسي في كتاب حسن حنفي “مقدمة في علم الاستغراب” الصادر عام 1991م، ومع ذلك، يلاحظ البحث ندرة في الدراسات العربية والإسلامية التي تناولت هذا المفهوم بعمق مقارنة بحجم الدراسات الاستشراقية مما جعل البعض يعتبره “مفهوماً مستحيلاً” يفتقر إلى التحديد الواضح.
وفي معرض تطرقه لتصنيفات الاستغراب وأنواعه، يميز البحث بين عدة أنماط من التعاطي مع الغرب؛ الاستغراب غير النقدي وهو الذي يكتفي بعرض معرفة الشرقيين بالغرب دون نقد عميق، معتبراً الغرب محوراً معرفياً ومرشداً. والاستغراب النقدي ويقصده به الذي ينظر إلى الغرب كفضاء مفهومي وتاريخي مرتبط بالاستعمار والرأسمالية والحداثة، ويسعى لتفكيك سلطوية العلم/القوة الغربية. ثم الاستغراب السلبي وهو ناتج عن الانبهار والدهشة بالحداثة الغربية، مما يؤدي إلى حالة من الاستلاب والتبعية الفكرية والمجتمعية، ليصبح “المستغرب” امتداداً محلياً للمنظومة الغربية.
ويرصد الباحث، في خضم تناوله لدواعي التأسيس ومواقف الخطاب العربي، ثلاثة اتجاهات رئيسية في التعامل مع المنجز الغربي، تُعد جميعها دوافع لإنشاء علم استغراب إسلامي؛ الاتجاه الأول يرى الغرب كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة (هوية المستعمر الغازي)، وهو ما يستدعي فهمه لمواجهته، في حين يتبنى الاتجاه الثاني “الاستغراب السلبي” الناتج عن التبعية، مما يستدعي علماً يحرر العقل من هذا الاستيطان المعرفي، فيما الاتجاه الثالث (التفكيكي) يدعو إلى الأخذ بالمنجزات العلمية والتقنية للغرب ونبذ قيمه السياسية والاجتماعية، وهو اتجاه يحتاج إلى منهج واضح يؤسس لهذا التمييز.
ويؤكد الدكتور الناصري أن الحاجة ملحة لعلم الاستغراب في عصر العولمة، حيث يسعى الإنسان الغربي إلى طمس الثقافات الأخرى وتعميم ثقافته، وهنا يشدد الدكتور الناصري أن علم الاستغراب الإسلامي يجب أن يرتكز على أرضية تختلف عن أرضية الاستشراق؛ فبينما نزع الاستشراق نحو الهيمنة والإقصاء والتمركز حول الذات، يجب أن ينطلق الاستغراب من قيم إنسانية وحضارية.
وتعتبر الدراسة أن التوحيد هو المنطلق الأساسي والمستوعب لخطاب الاستغراب، كونه يقرر أن الحق هو مدار الكون، ومن هذا المنطلق، حدد الباحث ستة قيم حاكمة تضبط حركة هذا العلم وتوجه مساره نحو التعارف بدلاً من الصدام؛ المساواة استناداً إلى حقيقة النفس الواحدة، ورفض التمييز أو الكبرياء، والكرامة كقيمة وجودية فطرية تشمل البشر كافة بغض النظر عن عقائدهم، والرحمة كصبغة عامة في التعامل مع الآخر، بعيداً عن الصراعات التدميرية، والتعارف الذي يفترض قواسم مشتركة بين البشر ويقوم على التنافس في الخيرات، والعدالة التي تعني الاستقامة في النظر والعمل وتقويم الآخر بحجمه الحقيقي، ثم الخير العام كغاية نهائية للفعل والتفكير الإنساني.
يقدم الدكتور الناصري قراءة نقدية للإطار الإبستمولوجي للعلم في الغرب، موضحاً أنه نشأ في ظل وضعية فصلت العلم عن الدين والأخلاق، وحصرت الوجود في المادة والتجربة الحسية، وقد أدى هذا الفصل إلى تحويل العلم إلى أداة للسيطرة (العلم قوة)، مما نتج عنه أزمات كبرى مثل الأسلحة الفتاكة والمخاطر البيولوجية وفشل في معالجة المشكلات الاجتماعية، وبناءً عليه، يرى الباحث أن النظام المعرفي الإسلامي المسدد بالوحي قادر على تقديم بديل يعيد إنشاء الإنسان في تمام شخصيته.
يخلص الدكتور محمد الناصري، في دراسته، إلى أن علم الاستغراب ليس مجرد تسجيل مواقف انفعالية، بل هو مشروع معرفي ومنهجي يهدف إلى بلورة نظرية لفهم قواعد العقل الغربي، وإن الهدف النهائي هو تحقيق التحرر من التبعية الفكرية، وتجاوز حالة العداء نحو تواصل حضاري تنتفي فيه مفاهيم الغلبة والإكراه، ويقوم على الانفتاح والتفاعل الندّي.
التعليقات