الإعاقة في المغرب: من منطق الرعاية إلى ثقافة الإدماج

تحرير : سلمى كرماس
يشهد المغرب تحولا تدريجيا في مقاربته لقضية الإعاقة، من منطق الرعاية والمساعدة إلى مقاربة تقوم على الحقوق والإدماج والمشاركة. غير أن هذا التحول، رغم ما رافقه من تشريعات وبرامج وسياسات عمومية، لا يزال يصطدم بتحديات على أرض الواقع، خاصة في مجالات التعليم والولوجيات والتشغيل وتكافؤ الفرص.
ويطرح هذا الواقع سؤالا جوهريا حول مدى قدرة السياسات المعتمدة على الانتقال من النص إلى الممارسة، ومن الاعتراف بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة إلى ضمانها فعليا في مختلف مناحي الحياة. في هذا الحوار، نتوقف مع الأستاذ أحمد الحوات، رئيس المرصد المغربي للتربية الدامجة، عند واقع الإعاقة في المغرب، وأبرز التحديات التي تعيق الإدماج، والسبل الكفيلة ببناء مجتمع أكثر إنصافا وشمولا.
السؤال الأول:
أستاذ أحمد، إذا انتقلنا من النصوص القانونية والسياسات العمومية إلى الواقع اليومي، كيف يمكن أن نصف وضع الأشخاص في وضعية إعاقة في المغرب اليوم؟ وهل نجح المغرب فعلا في الانتقال من مقاربة تقوم على الرعاية والمساعدة إلى مقاربة تقوم على الحقوق والمواطنة والإدماج؟
أعتقد أن المغرب قطع بالفعل أشواطا مهمة في الانتقال من المقاربة التقليدية للإعاقة، التي كانت تنظر إلى الشخص في وضعية إعاقة باعتباره موضوعا للرعاية والإحسان، نحو مقاربة حقوقية تعتبره مواطنا كامل الحقوق والواجبات. وقد استند هذا التحول، بشكل أساسي، إلى دستور 2011، وإلى مصادقة المغرب على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فضلا عن مجموعة من القوانين والسياسات والبرامج العمومية التي تؤكد مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص وعدم التمييز.
لكن الإشكال الحقيقي اليوم لا يرتبط بالاعتراف بالحقوق بقدر ما يرتبط بمدى تحويل هذا الاعتراف إلى حقوق ملموسة في الحياة اليومية. فنحن أمام مفارقة واضحة: لدينا نصوص تتحدث عن الحق في التعليم والصحة والتشغيل والولوجيات والحماية الاجتماعية والمشاركة، لكن عددا كبيرا من الأشخاص في وضعية إعاقة لا يزالون يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى هذه الحقوق.
لذلك، لا يمكن القول إن الانتقال قد اكتمل. لقد انتقلنا بالفعل من مستوى مهم من الاعتراف القانوني والحقوقي، لكننا لم نصل بعد إلى مستوى التنفيذ الفعلي والكفيل بضمان هذه الحقوق. والمؤشر الحقيقي على نجاح هذه المرحلة هو أن يصبح الشخص في وضعية إعاقة قادرا على التعلم والعمل والتنقل والعلاج، والمشاركة في الحياة الثقافية والرياضية والسياسية، واتخاذ قراراته باستقلالية. وبعبارة أخرى، نجح المغرب في قطع مسافة مهمة من منطق الإحسان إلى منطق الحق، لكن التحدي الأكبر اليوم هو الانتقال من حق مكتوب إلى حق مضمون وممارس.
السؤال الثاني:
إذا كان الإدماج يبدأ منذ الطفولة، فإن المدرسة تبدو الحلقة الأساسية في هذا المسار. ورغم وجود برامج رسمية للتربية الدامجة تهدف إلى توسيع شبكة المؤسسات التعليمية الدامجة وتوفير الترتيبات التيسيرية والمواكبة، لا تزال هناك تحديات على أرض الواقع. في رأيكم، أين تكمن المشكلة أساسا: في البنية التحتية، أم في تكوين الأطر، أم في طريقة تعامل المنظومة التعليمية مع مفهوم الاختلاف؟
في تقديري، المشكلة لا تكمن في عنصر واحد، وإنما في منظومة متكاملة لا تزال تحتاج إلى تحول عميق. فالتربية الدامجة لا يمكن أن تنجح بمجرد إدماج الطفل داخل مؤسسة تعليمية، وإنما تعني أن تكون المدرسة نفسها قادرة على استقبال الاختلاف والاستجابة لحاجات جميع المتعلمين.
أولا، هناك مشكلة الولوجيات؛ إذ لا يمكن الحديث عن مدرسة دامجة إذا كان الطفل الذي يستعمل كرسيا متحركا لا يستطيع دخول المؤسسة أو الوصول إلى مرافقها الأساسية. والولوجيات لا تقتصر فقط على المنحدرات، بل تشمل أيضا المرافق الصحية والممرات والمعلومات ووسائل التواصل والوسائل الرقمية والبيداغوجية.
ثانيا، هناك تحدي تكوين المدرسين والأطر التربوية. فلا يمكن مطالبة المدرس بالتعامل مع تنوع كبير في الحاجات دون أن يحصل على تكوين حقيقي ومستمر في التربية الدامجة، والتكييف البيداغوجي، والتقييم، والتواصل البديل، وإعداد المشروع الفردي للمتعلمين.
وثالثا، هناك ضرورة لتغيير النظرة إلى الاختلاف. فما زال جزء من المنظومة يتعامل مع الإعاقة باعتبارها مشكلة توجد داخل الطفل، بينما تقوم المقاربة الحديثة على اعتبار أن المشكلة غالبا ما توجد في الحواجز التي يضعها المجتمع والمؤسسة أمام مشاركة الطفل.
فإذا كان الطفل لا يستطيع الوصول إلى السبورة، أو لا يستطيع فهم طريقة تقديم الدرس، أو لا يستطيع التعبير عن إجاباته بالطريقة التقليدية، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون دائما: ما الذي لا يستطيع الطفل القيام به؟ بل علينا أن نسأل: ما الذي ينبغي أن نغيره في طريقة التعلم حتى يتمكن الطفل من التعلم؟
وهنا تبرز أهمية الترتيبات التيسيرية المعقولة، والتكييف البيداغوجي، وقاعات الموارد، والمشروع الفردي، والعمل الجماعي بين المدرس والأسرة والمتخصصين. ولذلك، نحن بحاجة إلى الانتقال من مدرسة تقول للطفل: «تأقلم مع النظام»، إلى مدرسة تقول: «سنكيف النظام حتى يستفيد الجميع». وهذه هي روح التربية الدامجة.
السؤال الثالث:
وإذا كانت المدرسة مطالبة بتهيئة الطفل للاندماج في المجتمع، فإن السؤال يمتد بالضرورة إلى ما بعد المدرسة: الشغل، الولوجيات، النقل، الفضاءات العمومية، والثقافة والحياة الاجتماعية. في نظركم، ما أبرز الحواجز التي لا تزال تحول دون مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة كمواطنين فاعلين ومستقلين؟ وهل المشكلة اليوم في غياب السياسات، أم في ضعف تنزيلها وتنسيقها بين مختلف القطاعات؟
إن أبرز ما يعيق المشاركة الكاملة للأشخاص في وضعية إعاقة هو استمرار الفجوة بين الحقوق المعترف بها والقدرة الفعلية على ممارستها. فحين نتحدث عن التعليم والصحة والتشغيل والنقل والولوجيات والحماية الاجتماعية والمشاركة، فإن الأمر لا يتعلق بحقوق منفصلة، وإنما بمنظومة متكاملة يفترض أن تمكن الشخص في وضعية إعاقة من العيش باستقلالية والمشاركة في المجتمع على قدم المساواة.
المشكلة، كما أراها، لا تختزل في غياب النصوص أو السياسات، وإنما تكمن أساسا في الانتقال من الاعتراف القانوني إلى التنفيذ الفعلي. فوجود الحق في النص لا يكفي إذا ظلت الحواجز المادية أو المؤسساتية أو التواصلية تحول دون ممارسته.
ومن هنا، فإن معيار نجاح السياسات العمومية ينبغي أن يكون مدى انعكاسها على الحياة اليومية للأشخاص في وضعية إعاقة: هل يستطيع الشخص أن يتعلم؟ أن يعمل؟ أن يتنقل؟ أن يحصل على العلاج؟ أن يشارك في الحياة الثقافية والرياضية والسياسية؟ وأن يتخذ قراراته باستقلالية؟ عندما تصبح هذه الحقوق ممارسة يومية، نكون أمام إدماج فعلي، وليس مجرد اعتراف نظري بالحقوق.
السؤال الرابع:
أخيرا، إذا أردنا أن ننتقل من مجرد الحديث عن «إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة» إلى بناء مجتمع دامج فعلا، فما التغيير الذي تعتبرونه الأكثر إلحاحا اليوم؟ وهل يحتاج المغرب إلى تغيير في السياسات فقط، أم إلى تغيير أعمق في نظرة المجتمع نفسه إلى الإعاقة، بحيث لا ينظر إلى الشخص في وضعية إعاقة باعتباره موضوعا للرعاية، وإنما باعتباره صاحب حق وفاعلا وشريكا في المجتمع؟
أعتقد أن التغيير المطلوب هو تغيير متكامل يبدأ من السياسات والمؤسسات، لكنه لا يتوقف عندها. فالمغرب قطع بالفعل مسافة مهمة في الانتقال من منطق الإحسان إلى منطق الحق، غير أن التحدي الأساسي يتمثل اليوم في جعل هذا الحق مضمونا وممارسا في الحياة اليومية.
وهذا يقتضي أن تصبح مختلف المؤسسات قادرة على تكييف أنظمتها وطرق عملها حتى تستجيب لتنوع المواطنين واحتياجاتهم. فالإدماج الحقيقي لا يعني أن نطلب من الشخص في وضعية إعاقة أن يتأقلم وحده مع نظام صمم من دون مراعاة اختلاف الحاجات، وإنما أن نعمل على إزالة الحواجز وتوفير الترتيبات التي تمكنه من المشاركة على قدم المساواة.
وفي نهاية المطاف، فإن المجتمع الدامج هو الذي ينظر إلى الشخص في وضعية إعاقة باعتباره مواطنا كامل الحقوق والواجبات، قادرا على التعلم والعمل والمشاركة واتخاذ قراراته باستقلالية. لذلك، فإن الانتقال الحقيقي لا يقاس فقط بعدد القوانين والبرامج، بل بمدى قدرة هذه السياسات على تحويل الحقوق من نصوص إلى واقع معاش، ومن الاعتراف بالمواطنة إلى ممارستها فعليا.




التعليقات