الإسلام كدين أقلّية.. الحالة الإيطاليّة (الجزء الأول)

عزالدّين عناية ـ جامعي تونسي مقيم في روما، إيطاليا
“الإسلام الإيطالي” أو “الإسلام في إيطاليا” في الحقبة المعاصرة، ومع ما بين الصيغتين من فروقات، هو جزء من الإسلام الأوروبي الذي أفرزته أوضاع ما بعد الاستعمار. إذ لم تنشأ الظاهرة الإسلامية في أوروبا الحديثة والغرب عموما نشأة طبيعية، بل جاءت في معظم تشكّلاتها مثخَنةً بالجراح الاستعمارية، الأمر الذي أبقاها مرتهِنة إلى مخيال حضاري مضطرب.
فقد ظلّت سياسات الدول الاستعمارية، وشبه الاستعمارية سابقا، محتكِمة في التعامل مع الوافدين إلى بنى نظر استعلائية، إلى أن فَرَضت تحوّلات من الداخل تحويرات أدّت إلى تغييرات مُهمّة لا تزال في طور الاشتغال.
في جذور المسألة
يقتضي فهم علاقة الإسلام بإيطاليا تنزيل المسألة ضمن إطار أشمل، وهو كيف تنظر التوجّهات الغربية بخلفيتها الدينية والحضارية إلى المسلم القادم إلى ديارها والمستوطِن بأرضها؟ في البدء نشير إلى وجود نظرة تَمايزٍ تُعبِّر عن التغاير شائعة بين الناس، وهي نظرة لا تستبطن خَلفية عدائية أو عنصرية، وإنّما يطبعها حسّ المغايرة، وهو سلوك عفويّ يأتيه المرء كلّما تواصل مع أُناس من غير دائرته الثقافية المألوفة.
في مقابل ذلك ثمة نظرة تناصب الآخر العداء مسبَقا، وهي رؤية سقيمة تضع الوجود الإسلامي برمّته ضمن منظور الغزو والتهديد. يؤجّج تلك الرؤية جزع واهمٌ، ويتقاسم تلك النظرة المتوجّسة والبالغة حَدّ العداء العلني علمانيون ومتديّنون على حدّ سواء. وما كان لتلك النظرة أن تتطوّر وتلقى رواجا، لو لم تَجِدْ دعمًا ممّن يؤثرون الصِّدام بدل الحوار والتصلّب بدل التسامح.
وعلى العموم يحضر في التاريخ الغربي الراهن شكلان من النظر إلى ظاهرة الهجرة والمهاجرين، غالبا ما يُعبَّر عنهما بمفهوم مزدوج الدلالة ومخاتل ألا وهو الاندماج: أحدهما ذو طابع صَهري مقصود، والآخر ذو طابع تشاركي (كومونيتاري) محمود، يراعي الخصوصيات المميزة للجاليات والجماعات. حيث يبدو الصنف الأوّل من الاندماج الصّهري (المذوِّب) مدفوعًا بنموذج مثالي مهيمِن، يتطلّع إلى جعل مختلف الأنماط الوافدة مجرّد عناصر إضافية تثري النموذج القائم.
ويخفي منظور الاندماج هذا دونية مضمَرة للأغيار، وهو غالبا ما يفضي إلى أشكال من الصدام تتطوّر بتطوّر الوعي بالهويات الفرعية وبأبعادها الحضارية. في مقابل ذلك يبدو الاندماج التشاركي (الكومونيتاري) الأكثر اعتدالا، فهو حريص على مراعاة خصوصيات الجاليات والجماعات، وهو أكثر الخيارات قبولا بين التلوّنات الثقافية.
فلا يهدف الاندماج إلى مجرّد الاعتراف بالمغايَرة، ولكن المقصد الرئيس ينشد خَلْق ثقافة احترام وتثمين للخصوصيات الحضارية، تكون فيها المراعاة ليست منّة من الطرف المهيمِن المتحكِّم بالفضاء الاجتماعي، وإنما بوصفها حقّا طبيعيا ينبغي أن تحظى به سائر المكونات.
وتبعا لمفهوم الدمج الاستعلائي، نرى حركة الدمج القسري في فرنسا، تعاني أزمات متلاحقة أو لعلّه موتا سريريّا، مع ذلك تصرّ على التغاضي عن ذلك لكون العملية في جوهرها تمثّل تشكيكا في قدرات النموذج العلماني، وهو ما تأبى الذات الجماعية الإقرار به. فقد اتّخذت سائر العلمانيات الأوروبية تقريبا مسافةً من سياسة الهجرة الفرنسية، في تعاملها مع التنوّعات الأخرى، ولا سيّما في ما يخصّ المسألة الروحية وتوابعها الرمزية، من حيث تبنّي سياسات إكراه.
إيطاليا التي تعدّ حديثة التعامل مع المهاجرين، مقارنة بدول أوروبية أخرى، تراها أقرب إلى النموذجين الإسباني والبلجيكي منه إلى النموذج الفرنسي، وإن كان في ظلّ الافتقاد إلى حاضنة مؤسساتية قانونية .
والبيّن أنّ بروز فلسفة الاختلاف، في العقود الأخيرة، مع بعض المفكرين المعاصرين، مثل جاك دريدا، وجيل دولوز، وميشيل فوكو، قد جاءت بمثابة ردّ فعل على سياسات المونوبول السائدة في المجتمعات الغربية. وهي فلسفة تنخرط ضمن مسعى ترسيخ حقوق الجاليات والأقليات والجماعات والمهمَّشين.
تحوّلَ النظر معها للتعدّد والتنوّع والاختلاف من عناصر فولكلورية إلى مقتضيات حقوقية، وبالعموم من عناصر سلبية إلى عناصر إيجابية، تهدف إلى الحدّ من احتكار الفضاء الاجتماعي من جانب قوى محافِظة تزعم الوصاية على الذاكرة الجماعية. فالعرْضُ المنصف لأنماط العيش، والتعبير عنها في وسائل الإعلام، وفي الفضاء العمومي، وفي المدرسة، حقٌّ يُفترَض أن تضمنه الدولة الراعية للجميع، بقصد فسح المجال لسائر الأطراف في الحضور داخل النسيج الاجتماعي. لكن الحقيقة أنّ التعدّدية في الغرب بقدر ما تغري البعض، فهي تبعث على الريبة لدى آخرين لتبعاتها وآثارها المتباينة.
ليس لأنّ حمولة التعدّدية ضارة، بل لآثارها الجانبية أيضا في الحدّ من احتكار الرأسمال الرمزي من جانب أطراف نافذة، كَنَسية ويمينية وشعبوية، تتحكّم بالسوق الثقافية.
لكن رغم الاحتفاء بالتعدّد والاختلاف والتنوّع، لم يسلم الأمر من اختزال قضايا جادة في مظاهر فولكلورية مبتذَلة. فمع الطرف المسلم المستوطِن في الغرب نلحظ اختزالا شكلانيا لقضايا جموع واسعة في مسائل لحم الحلال، والفولار، والصومعة، وما يتخفّى وراء ذلك من حيف اجتماعي في بعض الأحيان، قوامه العزل المقصود من الشغل، والاستبعاد على وجه العمد من مواقع النفوذ، لا سيّما لشبيبة وليدة في الغرب .
وتأكيدا على ضرورة الخروج من الإطار الديني الذي غالبا ما تحشر فيه مطالب الجاليات المسلمة يقول سيلفيو فرّاري: “هناك حاجة لنزع الطابع الإسلامي عن المشاكل التي عادة ما تلحق بالإسلام، فهي في الحقيقة مشاكل معيشية تتعلّق بالأقلّيات المغايرة كافة، كما الشأن في أوروبا وفي إيطاليا أيضا” .
والحال أنّ الاندماج السويّ هو خيار مجتمعي يهدف إلى تكريس ديمقراطية اجتماعية وتسوية جوانب حقوقية، وليس مجرّد احتفاء بالأكلات الإثنية، أو استعراض لأزياء شعبية، أو إقامة حفلات رقص فولكلوري نابع من شغف “إيزوتيكي”، وهو ما قد يشيع تعدّدية زائفة.
ولعلّ أخطر مستويات التنكّر لمتطلّبات الاندماج السويّ، كما ترصد الباحثة جوسلين شيزاري، حين يكون طمس الهويات المغايرة مدعومًا بقرارات مؤسّساتية تتشابك فيها عناصر الأصول الثقافية والدين والفقر، وهي معادَلة في منتهى الخطورة في حالة المهاجرين المغاربيين إلى أوروبا .
الكنيسة الكاثوليكية والإسلام المهاجر
نأتي إلى السؤال المحوري ما الذي تمثّله الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا؟ تُعَدّ إيطاليا الحديثة نتاج ولادة قيصرية، لم تهدأ فيها العلاقة بين الكنيسة والدولة إلى حين تواضعت الأطراف المتنافسة على أنّ “الكنيسة حرّة في دولة حرّة”، بحسب مقولة السياسي الإيطالي الكونت كافور.
وقد يذهب في ظنّ البعض أنّ دولة الفاتيكان الحالية منحصرة بحدود ما وراء نهر التيبر البالغ مساحتها أربعة وأربعين هكتارا، وباتّباع السور المحاذي يمكن الطّواف بها على مدار الساعة، ولكن نفوذها الروحي والرمزي والمادي أيضا يمتدّ على كافة التراب الإيطالي وعلى مستويات عدة تربوية وصحية وسياسية وغيرها.
وجيشها الحقيقي، هو جيش فريد، يبلغ في الراهن 400 ألف كاهن، و 750 ألف راهبة. كما أن دولة الفاتيكان تربطها علاقات دبلوماسية بـ 177 دولة، وتحت إشرافها ثلاثة ملايين مدْرسة، وخمسة آلاف مشفى، ويضم “الكاريتاس” (دُور الإحسان)، المؤسّسة التي تسهر على المساعدات الاجتماعية، 165 ألف بين متطوّع وعامل يقدّمون خدمات لـ 24 مليون نفر. وأما مكتبة الفاتيكان فتضمّ أكثر من مليون كتاب، ومئة ألف بين خريطة ومخطوطة.
لقد بدأ إيلاء ظاهرة الهجرة نحو إيطاليا اهتماما منذ مطلع ثمانينيات القرن الفائت، أي إثر توالي موجات من المهاجرين المغاربة (نقصد المغرب الأقصى) تعود إلى السبعينيات، ثم تلتها موجات من التونسيين مع مطلع الثمانينيات، أي قبل موجات الآسيويين والأوروبيين الشرقيين والأفارقة والقادمين من أمريكا اللاتينية.
وما إن حلّ عقد التسعينيات حتى بدأت الكنيسة الكاثوليكية تبدي انشغالا مشوبا بالتوجس من القادمين من بلاد المغرب العربي، خصوصا من المغرب الأقصى وتونس، لمّا كانت بعض الشرائح العمالية تتوافد على إيطاليا بحثا عن مورد رزق في الأشغال الفلاحية والصيد البحري وحضائر البناء.
مثّلت حينها رسالة الكردينال الراحل كارلو ماريا مارتيني (ت. 2012)، رئيس أساقفة ميلانو، “نحن والإسلام” (1990) أولى محطات التوجّس في هذا الصدد.
وقد تناولت الرسالة في ما تناولت الخطوط العامة للتعامل مع المسلمين في العصر الحديث ضمن منظورين: كنسيّ لاهوتي، تساءل فيه عمّا يمثّله الإسلام في تاريخ الخلاص بالنّسبة إلى المسيحية والوعود والتحدّيات المترتّبة عن ذلك؛ ومدنيّ اجتماعي من خلال القول بمعيارية القبول بالتشريعات العلمانية السائدة في إيطاليا وفي سائر البلدان الغربية، كشرط للاندماج والدمج في النسيج الاجتماعي.
وعملية احتواء المسلمين الاجتماعي، ضمن سياسة الهجرة الإيطالية، سياقٌ يحضر ضمن انشغالات الكنيسة وأنشطتها واستراتيجياتها أيضا، نظرا لدورها البارز وخبرتها العريقة مع المسلمين في هذا المجال وغيره.
بدا وقعُ رسالة مارتيني منذ ذلك العهد جليا ومؤثّرا. فقد استعادت العديد من الشخصيات والهيئات المسيحية الخطوط العامة مقول الرجل، ومثّلت الرسالة حجر الأساس في بلورة منظور كنسي معاصر مثقل بالتهويمات القروسطية واليمينية غير الملائمة للتحولات الحداثية.
ففي سنة 1992 استعادت اللجنة التريفينتية للمسكونية والحوار بين الأديان الخطوط المعلنة من قِبل الكردينال مارتيني، نُشرت في رسالة رعوية بعنوان “المسلمون والمسيحيون في حوار” ، وأعقب ذلك في العام 1993 نشر اللّجنة الكنسيّة المكلّفة بالهجرة التابعة للمؤتمر الأسقفي الإيطالي نصّا بعنوان: “كنتُ غريبا فأحسنتم وفادتي” .
ولم يحِل العام 2000 حتى أصدر مجلس إقليم إميليا رومانيا الأسقفي بإيطاليا أيضا وثيقة “الإسلام والمسيحية” ، أكّد فيها بوضوح على شرطية الإيمان المسيحي، بما يعيد جدل قضايا الهجرة من منظور الكنيسة وفق أطر دينية مغتربة لا تتلاءم مع مجتمع باتت تحكمه أوضاع علمانية. ولكن مع المسلمين، كان التغاضي عن هذا المنظور المغترب البائس، وكأن الكنيسة لم تشهد تحولات مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) وإصدار قراراتها الجريئة مع المسلمين.
واللافت أنه منذ ذلك العهد بدأت الكنيسة، ممثّلةً في المجلس الأسقفي الإيطالي، تفصح عن منظور مناوئ وأكثر حدّة وانغلاق تجاه الوافدين المسلمين أمام تزايد أعدادهم بشكل ملحوظ، وإن كانت في الخارج حينها تشهد وتحرّك استراتيجيات حوار مكثّفة مع المسلمين.
لكن الجلي في خضمّ هذه التحولات مع القادمين الجدد ومع حماس احتفالات “اليوبيل” -حلول الألفية الثالثة- أصدر المؤتمر الأسقفي الإيطالي ضمن توجيهاته الرعوية الخاصة بالعام 2000 وثيقة بعنوان: “التبشير بالإنجيل في عالم متغيّر”، رسمت استراتيجيات العشرية الأولى، وتضمّنت في النقطة 58 ما يلي: “ينبغي أن نواجه محورا مستجدّا شديد الأهمية، ذلك المتعلّق بتنصير الأفراد الوافدين علينا عبر الهجرة.
فنحن مطالبون بأداء رسالتنا بين غير المسيحيين على أرضنا. ومع إيلاء تقاليدهم وثقافاتهم اهتماما، ينبغي أن نكون في مستوى تقديم الشهادة بالإنجيل نحوهم، وإن وجد ذلك رغبة لديهم حريّ تبليغهم كلمة الرب” .
فمنذ بدايات هجرة المسلمين نحو إيطاليا لاح هاجس توظيف عمل الإحسان (الكاريتاس)، فهو ليس عملا إنسانيا خالصا، بل يبقى اللغة الأكثر ملاءمة لإبلاغ شهادة المسيح للمسلمين . حيث تَلخّصَ الدور في تَولّي مهمة غير المسيحيين (ad gentes) على أرضنا، مع الحذر من تقاليدهم وثقافاتهم، وأن نكون قادرين على الشهادة بالإنجيل في أوساطهم .
ومنذ ذلك العهد دبّت مخاوف في أوساط الكنيسة، وأصدرت رئاسة المؤتمر الأسقفي الإيطالي سنة 2005 وثيقة على صلة بالزواج بين الكاثوليكيات والمسلمين في إيطاليا أعرب فيها المؤتمر عن انشغاله البالغ بقضية الزواج المختلط . كما أكد على ثلاثة عناصر تُلخّص الاستراتيجيا الكنسية في إيطاليا: العمل الخيري المسيحي الموجه للمهاجر غير المسيحي، الحوار الديني بشكل حازم ونقدي، ومهمّة التبشير بالإنجيل في أوساط غير المسيحيين في إيطاليا.
وما إن حلّ العام 2006 حتى نشر “الكاريتاس” الإيطالي مذكرة بعنوان “المسيحيون والمسلمون. تجارب الحوار والتآخي. شبكة الكاريتاس في بلدان ذات أغلبية مسلمة”، لم تقتصر على رواية تجارب التعاون في البلدان ذات الأغلبية المسلمة فحسب، بل تضمّنت تأملات في أشكال التعامل مع المهاجرين المسلمين الموجودين في إيطاليا .
الإسلام العمّالي
كما أسلفنا القول، تظلّ الصبغة العمّالية غالبة على المهاجرين المسلمين في إيطاليا، فكلّما احتاج المصلَّى -وليس المصلّي- إلى سمكري أو كهربائي أو بنّاء، فهو حاضر بين المصلّين، حتى باعة السمك وصنّاع البيزا وغيرهم يأتون بتبرّعاتهم من بضاعتهم إلى المسجد وخصوصا في شهر الصيام.
هذه العوامل وغيرها جعلت مفهوم الدين بالنسبة إلى هذه الأقلية هو مجرّد بحث عن إشباع حاجات روحية، ولملمة هوية مبعثرة يتهدّدها التفسّخ داخل أغلبية منتظمة ومُمَأسسة على مستوى ثقافي ودينيى وتربوي. الأمر الذي جعل النشاط الهوياتي في أوساط الجالية المسلمة يتركز داخل البيت، ويستعين بمصليات بسيطة، لا يمكن أن يطلق عليها اسم مساجد بالمعنى الوظيفي .
ولئن كانت أعداد المصلَّيات إلى حدود العام 1993 لا تتجاوز الخمسين مصلى فالأعداد اليوم باتت بالميئات، ولكن السؤال ما هوية هذه المساجد؟ يتحدّث عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو أَلِيافي عن أن كلمة مسجد أو جامع ضمن السياق الإيطالي تشير إلى مخازن، مستودعات، أو محلّات أعيد تهيئتها بحسب الحاجة .
مع العام 2005 شهدت الساحة الإيطالية تطورا ملحوظا مع الجمعيات الإسلامية لاقتناء المحلات المخصصة للنشاط الثقافي الديني وإقامة المصليات.
وينقسم نشاط الجمعيات الإسلامية إلى ثلاثة أنواع رئيسة: جمعيات على ارتباط بالدول الإسلامية وبسياساتها الثقافية والدينية؛ جمعيات ذات طابع شعائري؛ جمعيات ذات طابع حركي تمزج السياسي بالديني. يورد أندريا باشيني في دراسة بعنوان: “المسلمون في إيطاليا: الحضور المتعدد” أن التردد على المساجد بين المسلمين يتراوح بين 6 و 7 بالمئة من مجموع المسلمين، على اعتبار التردد على المسجد مرة شهريا .
لم تخل تلك التطورات من ردود أفعال، وترافق ذلك مع اعتداءات على مراكز إسلامية في منطقة لومبارديا، وجراء العداء السافر لحزب “عصبة الشمال” للإسلام، عبّر بعض ناشطيه في منطقة لودي في السادس من أكتوبر 2000 عن معارضتهم إقامة مركز لأداء الشعائر الإسلامية بإلقاء كميات من البول وخراء الخنازير في المكان المزمع إقامة المسجد فيه بقصد تدنيسه.
تكرر الحدث مع اقتراح نائب رئيس مجلس الشيوخ روبارتو كلديرولي “يوم الخنزير” “Maiale day” سنة 2007 . إذ لدى مجموعات المتطرفين تتمازج مفخرة معركة ليبانتو التي أوقفت زحف العثمانيين بضرورة القيام بالصد ذاته في الراهن.
ومع تحولات الهجرة خلال العقدين الأخيرين ما عاد اللون المغاربي الغالب على مسلمي إيطاليا، بل انضمّت مكوّنات جديدة، خصوصا من شبه القارة الهندية، ومن دول إفريقية، ومن الشرق الأوسط، من الأكراد والإيرانيين والعرب، وبات التنوّع العرقي واللغوي ميزة المهاجرين المسلمين في إيطاليا.
وإن كان المخيال الشعبي الإيطالي يجمعهم تحت مسمى “الماروكيني” أو “الملوَّنين”، كما يتردّد على ألسنة العامة. تجدهم يحضرون بكثافة في المهن الشاقة والوضيعة والهامشية، وهي مهن غالبا ما ينفر منها الإيطاليون، مثل حضائر البناء، والأشغال الفلاحية اليدوية، وأسواق بيع الخضار والسمك، وفي محطات تعبئة البنزين، ومحلات بيع الورود، وفي مختلف المهن الظرفية وكباعة متجولين على شواطئ البحر، أو مسّاحي واجهات السيارات على قارعة الطرقات، أو في بيع الممطريات والورود بالتفصيل بالتردد على الساحات والمطاعم والمقاهي ليلا.
إذ يدرك المهاجر المسلم في إيطاليا معنى أن يجد إعلانا للكراء يشترط فيه صاحب المحل عدم الكراء للأجانب، ويدرك جيدا معنى بحث نادل مسلم أسود البشرة عن شغل فلا يظفر بذلك البتّة، وتدرك جيدا مرأة محجبة معنى التفتيش عن شغل في الخدمة المنزلية أو في أعمال التنظيف فتتقلّص حظوظها كثيرا.
أملت أوضاع الجالية المهترئة أن يظلّ النشاط في تلك المصليات متمحورًا حول الأداء الشعائري، وقائما على استهلاك مفاهيم دينية مغرقة في السطحية تستند إلى الوعظ والتذكير والإرشاد. فالمصلى هو ملجأ ضد الخارج، وسياج رؤيوي وديني يحول دون اختراق المنافس القِيَمي الخارجي.
وبالتالي لا يشكل الدين لدى معظم أفراد الجالية منظورا منفتحا أو متحاورا مع المغاير يقوم على طروحات ثقافية أو فلسفية، بل هو مجرّد حصن يأوي إليه المهاجر، وإن ظلّ في الغالب بشكل غير منتظم. الأمر الذي يجعل مجمل ما يستجلبه المهاجر، من مخزون تراثي وشعائري وعقدي وفولكلوري أيضا، عنصرا من عناصر الهوية الدينية وحائلا دون اختراقات المغاير في مجتمع يشتدّ فيه التنافس على مستوى رمزي وقيَمي.
وبرغم أنّ الإسلام العمّالي في إيطاليا يخوض مسار حضور وعرا، في ظلّ تدنّي دعم دول المأتى التي لا تزيد مساعدتها عن التبرع ببعض المصاحف أو بشيء من التمر في شهر رمضان، فهو يلبّي بعض حاجات الجالية السائبة، السيكولوجية والروحية.
تجده يكافح بأدوات بسيطة تتميز بطابع شعائري ليتوجّه خصيصا إلى شريحة عمالية مرهقة. ويقيم هذا الإسلام داخل مصليات هي أقرب إلى المحلات والدكاكين ليقدّم داخلها خطابا دينيا بسيطا بقصد الحفاظ عل هويات جريحة، مع تطور موجات الهجرة القادمة من المغرب والمشرق، ومن إفريقيا وآسيا.
فهو إسلام لسدّ الحاجات الأولية في الدين، وبالأساس لتلبية حاجات شعائرية مثل أداء الصلوات الخمس، وإن كان الارتياد غير منتظم بسبب حالات عدم الاستقرار التي تميز مجمل أفراد الجالية، والإفطار الجماعي في رمضان وإقامة صلاة التراويح، والاحتفاء بالأعياد والمواسم الدينية، وقد يرتقي أحيانا إلى إقامة بعض الدروس ذات الطابع الفقهي، أو تحفيظ القرآن الكريم، أو تعليم المبادئ الأولى للغة العربية .
لا يتمتّع هذا الإسلام بقدرات تسمح له بالتحاور مع الوسط الإيطالي الثقافي أو الديني، أو تداول قضايا ذات طابع عمومي. ونادرا جدّا ما يخرج القائمون على تلك المصليات للمشاركة في حوارات ندّية مع الأطراف الإيطالية.
يقابل ذلك الحضور المحدود لتجمعات المسلمين الوافدين تجمّع الإيطاليين المهتدين على حدة، في جمعيات ذات طابع صوفي ثقافي، ولا تربطهم صلات وثيقة بمشاغل الجاليات المسلمة. ولا يرتاد كل منهما مصليات الآخر سوى بشكل عابر أو خاطف، جراء اختلاف الخطاب، وتباعد مفهوم التديّن، واختلاف المشاغل. إذ غالبا ما تحضر معوقات ذات طابع نفسي ثقافي تحول دون اختلاط بعضهم ببعض.
فهناك نزوع لدى الإيطاليين المهتدين في جمعياتهم ونواديهم في النظر إلى الدين كمعطى روحي متخفّف من الضوابط الشعائرية ومن الصرامة العقدية، التي تبدو محورية لدى مجمل الجاليات المسلمة. لذلك تجد المسلمين المهتدين أقرب إلى مزاج الإيطالي سواء كان مراعيا لتعاليم الكاثوليكية أم غير مبال بالضوابط الدينية. في مؤلفه “المسلمون الجدد.. المهتدون إلى الإسلام” تعرّض الباحث الإيطالي ستيفانو أَلِيافي إلى جملة من العوامل والمسارات التي تجعل الإسلامَيْن متجاورين وغير مندمجيْن .
لا يختلف مسجد روما الكبير عن دور تلك المصليات الصغرى، فهو مسجد كان في مضى تحت الإشراف السعودي ثم تحوّل إلى المغرب، الأمر الذي أدخل ارتباكا لدى مرتاديه على موعديْ بداية شهر الصيام ومنتهاه نظرا للخلافات بشأن موعد ظهور الهلال.
لكن يبقى المحل المحبّذ لدى كثير من المهتدين، ممّن يختارونه لإعلان الشهادة والحصول على شهادة اهتداء قد تسمح لنفر منهم بالزواج من مسلمة أو ارتياد العربية السعودية للحجّ. لكنه يظلّ الأبرز في التوافد عليه من قِبل وفود رسمية إيطالية أو غيرها للزيارة أو الاستشارة، فهو المسجد الوحيد الذي يتمتع بترخيص قانوني من الدولة الإيطالية…
(يتبع)
ــــــــــــــــ
[email protected]
إنْزو باتشي، الإسلام في أوروبا.. أنماط الاندماج، ترجمة: عزالدين عناية، كلمة، أبوظبي 2010، ص: 31 وما بعدها.
انظر مؤلفنا “الدين في الغرب”، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2017، ص: 150.
Silvio Ferrari, Le Comunità musulmane e i rapporti con lo stato, Chiesa e Islam in Italia, Esperienze e Prospettive di dialogo a cura di Andrea Pacini, Paoline, Milano 2008, p. 46.
Jocelyne Cesari, L’Islam francese: una minoranza religiosa in costruzione, Edizioni Dedalo, Bari 2002, pp. 49-50.
انظر التقرير الإحصائي الكنَسي الأخير الصادر عن مكتبة حاضرة الفاتيكان:
Annuarium statisticum ecclesiae, Libreria editrice vaticana, Città del Vaticano, 2021.
C. M. Martini, Noi e l’islam, in “Il Regno-documenti” 3 (1991) 88 ss.
Commissione triveneta per l’ecumenismo e il dialogo interreligioso, Cristiani e musulmani in dialogo, EDB, Bologna 1992.
CEI, Ero forestiero e mi avete ospitato, EDB, Bologna 1993.
Conferenza Episcopale dell’Emilia Romagna, Islam e Cristianesimo, EDB, Bologna 2000.
“Il Regno -documenti” 13 (2001) 441ss.
لم تتطور الأمور حسبما تشتهي الكنيسة، فقد تشكّلت شبه مناعة لدى المهاجرين المسلمين بعد الاحتكاك بواقع غربي تنبّهوا إلى عديد الهنات فيه. حيث لعب النشاط الجمعياتي المهاجر المتمحوِر حول المصلَّيات المتواضعة دَورًا في تحصين الهوية الإسلامية، ولم تمضِ عقود حتى تشكّلت ظاهرة مضادة تمثّلت في تزايد أعداد المهتدين من الكاثوليك إلى دين الإسلام. كان قد رصدها عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو أليافي في كتابه: “المسلمون الجدد.. المهتدون إلى الإسلام”.
Stefano Allievi, I Nuovi Musulmani. I Convertiti all’islam, Edizioni Lavoro, Roma 1999.
“Il Regno -documenti” 13 (2001) 441 ss.
I matrimoni tra cattolici e musulmani in Italia, Notiziario CEI 5 (5 maggio 2005) 139-165.
الكاريتاس هي منظمة إحسان كاثوليكية ذات طابع عالمي، تأسست في ألمانيا سنة 1897، وهي اليوم حاضرة في مئتي دولة، يقوم على رأسها كردينال ومقرّها الرئيس في روما.
Caritas Italiana, Cristiani e musulmani, Esperienze di dialogo e di fraternità. La rete Caritas in territori a maggioranza islamica, EDB, Bologna 2007.
إلى حدود العام 1970 كان هناك مصلى وحيد في روما، صار لاحقا مسجد روما الكبير، ويمكن اليوم عدّ زهاء ثلاث مئة مصلّى في الوقت الحالي. لمزيد الاطلاع على أدوار هذه المساجد ووظائفها، انظر مؤلف ستيفانو أليافي، الإسلام الإيطالي.. رحلة في وقائع الديانة الثانية، ترجمة: عزالدين عناية وعدنان علي، كلمة، أبوظبي 2010.
ستيفانو أليافي، الإسلام الإيطالي.. رحلة في وقائع الديانة الثانية، ص. 46.
Andrea Pacini, “I musulmani in Iatali: un presenza plurale”, Chiesa e Islam in Italia, Esperienze e Prospettive di dialogo a cura di Andrea Pacini, Paoline, Milano 2008, p. 36.
G. Fregonara, “Maiale day” anti-moschea, sfida di calderoli, in “Corriere della sera”, 14 settembre 2007, p. 15 e M. Allam, Il “maiale day”, non fa ridere, in “Corriere della sera”, 14 settembre 2007, p. 1.
انظر ستيفانو أليافي، الإسلام الإيطالي.. رحلة في وقائع الديانة الثانية، ترجمة: عزالدين عناية وعدنان علي، كلمة، أبوظبي 2010.
Stefano Allievi, I nuovi musulmani: i convertiti all’islam, Edizioni Lavoro, Roma 1999.
جرى تدشينه سنة 1995، وتتكون لجنة الإشراف عليه من سفراء الدول العربية والإسلامية، وهو يعدّ الأكبر أوروبيا من حيث الشكل العمراني.




التعليقات