الإسلام كدين أقلّية.. الحالة الإيطاليّة (الجزء الثاني)

عزالدّين عناية ـ جامعي تونسي مقيم في روما، إيطاليا
“الإسلام الإيطالي” أو “الإسلام في إيطاليا” في الحقبة المعاصرة، ومع ما بين الصيغتين من فروقات، هو جزء من الإسلام الأوروبي الذي أفرزته أوضاع ما بعد الاستعمار. إذ لم تنشأ الظاهرة الإسلامية في أوروبا الحديثة والغرب عموما نشأة طبيعية، بل جاءت في معظم تشكّلاتها مثخَنةً بالجراح الاستعمارية، الأمر الذي أبقاها مرتهِنة إلى مخيال حضاري مضطرب.
فقد ظلّت سياسات الدول الاستعمارية، وشبه الاستعمارية سابقا، محتكِمة في التعامل مع الوافدين إلى بنى نظر استعلائية، إلى أن فَرَضت تحوّلات من الداخل تحويرات أدّت إلى تغييرات مُهمّة لا تزال في طور الاشتغال…
نشر موقع دين بريس الجزء الأول وفيما يلي ننشر الجزء الثاني من الدراسة:
الأقلية إزاء احتكار المجال الديني
صحيح يشكّل المسلمون الأقلّية الأوسع حضورا في المجتمع الإيطالي، وهي أقيلة تضمّ ثلاثة ملايين يقيمون بشكل قانوني على التراب الإيطالي، ينضاف إليهم عدد يناهز ثلاث مئة ألف من المهاجرين غير الشرعيين، أو ممّن هم في طور تسوية أوضاعهم القانونية، مع ذلك تظلّ هذه الفئة مستبعَدة حقوقيا عن الظهور في الفضاء العام.
وبحسب تقديرات المركز الأمريكي “بو” للأبحاث (Pew Research Center) المعني بالانتماءات الدينية، تتوزّع التكتلات الأكثر عددا بينهم: المغاربة (زهاء 700 ألف)، يليهم البنغال (160 ألفا)، ثم المصريون والتونسيون بحوالي (150 ألفا) لكل تكتّل، ثم الباكستانيون (145 ألفا) والسينغاليون (130 ألفا) مع تجمعات أخرى لمشارقة وأفارقة.
ويفترض أن تكون الجالية الثانية التي تلي المغاربة الألبان بـ (600 ألفا)، غير أنهم يتوزّعون إلى مسلمين ومسيحيين حيث التقدير العام في البلد الأصلي 60 بالمئة مسلمين و40 بالمئة مسيحيين .
كيف تنبني علاقة الدين بالدولة في إيطاليا على مستوى عام وضمن إطار تشريعي دستوري؟ تنتظم العلاقة وفق ما يُعرف بنظام “الكونكورداتو” أي “الوفاق” الذي ينظّم الشأن الديني، وهو نظام يعود إلى الاتفاقات اللاتيرانية (I patti lateranensi) سنة 1929، انتظمت بمقتضاه علاقة الكنيسة بالدولة. ومنذ العام 1984 سوّت الدولة الإيطالية أوضاع 12 دينا وتقليدا دينيا لتغدو معترفا بها.
وبما يضمن لها جملة من الحقوق، منها الحصول من الدولة الإيطالية على خصم ثمانية بالألف من الدخل على الضريبة الشخصية، إقامة معابدها الخاصة، والحق في المدافن والمحارق للموتى، وتنظيم عمليات الذبح.
لكن في ظلّ هذا الإطار العام، يُصنِّف مجموعة من علماء الاجتماع الأمريكان إيطاليا ضمن المجتمعات الأوروبية الأكثر خضوعا للمونوبول الديني، فالكنيسة الكاثوليكية من المؤسسات المحتكرة للفضاء الديني بشكل لافت.
فقد بقي “المؤتمر الأسقفي الإيطالي” شديدَ الانشغال بتطوّر أعداد المسلمين وتفاعلاتهم مع الأوساط الاجتماعية، حيث حذّر منذ العام 2005 من تداعيات “زواج الكاثوليكيات بالمسلمين في إيطاليا” ، وقد ترافق ذلك بتكرار التوصية بعدم التنازل للمسلمين عن محلات رعوية بقصد الاستعمال الشعائري أو في أنشطة تهمّ المسلمين.
ويُبرِز مؤلف “أوروبا والأديان” استنفار الأوساط الكنسية غير القابلة بأوروبا المتعددة إبّان مساعي سَنّ الدستور الأوروبي، والإلحاح على استعادة الماضي من خلال مقولة “الجذور اليهودية المسيحية” وهو ما لا يلائم الراهن الأوروبي التعدّدي . فقد جاء مشروع الدستور المتوقّف بما يناقض آمال البابا الراحل يوحنا بولس الثاني حينها، المتحفّز “لإعادة أنجلة أوروبا” وما يقتضيه من ترسيخ الطابع الكنسي في القارة.
وبخصوص المهاجرين المسلمين فغالبا ما تتناغم الكنيسة مع الرؤى اليمينية في النظر إليهم، ولا تتعامل معهم كمقيمين لهم حقوق اجتماعية وثقافية تضاهي نظرائهم من مواطني البلد، وتتبنى بشأنهم موقفا حضاريا مسبقا.
الأمر الذي يدفع كثيرا من أفراد الجالية المسلمة أثناء الانتخابات إلى التصويت للأحزاب اليسارية والتكتلات المعارضة لليمين التي يجدون لديها تفهّما لقضاياهم، وينأون في عمومهم عن الأحزاب اليمينية ذات الخلفية الدينية، التي عادة ما تكون مدعومة من الكنيسة.
فالاعتراف بخصوصيات الهوية الإسلامية في إيطاليا يجد سندا من اللادينيين أكثر مما يجده من المتديّنين، ومن المفارقات في إيطاليا أن المسلم أقرب إلى اللامتدين منه إلى المتديّن، لما يجد لديه من تفهّم لقضاياه، في وقت يُفترض فيه أن يكون المسلم بين إخوانه من أهل الكتاب، على اعتبار انتماء المسلم والمسيحي إلى تراث إبراهيمي جامع.
تتحكّم الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا، ممثّلة بالمجلس الأسقفي، بالفضاء الديني، سواء ما تعلّق منه بصياغة السياسة الدينية ذات الصلة بالمجتمع، عبر ما يعرف بـ “تعليم الكنيسة الاجتماعي” (Dottrina sociale della chiesa) أو من ناحية إقرار البرامج التربوية والتعليمية الدينية، في كافة مراحل التعليم قبل الجامعي، هذا بالإضافة إلى تتبّع النشاط الديني لأيّ تجمّع غير كاثوليكي يحضر في إيطاليا ، حيث يلعب “المجلس الأسقفي الإيطالي” دورا أساسيا في صياغة السياسة الدينية في الداخل الإيطالي بوصفه الوصي أو الرقيب على الضمير الجمعي.
صحيح لا توجد في إيطاليا وزارة تعنى بالشؤون الدينية، ولكن توجد دولة دينية داخل دولة علمانية تتجاوز انشغالات الوزارة المحصورة بقطاع معين، وهي تتحكم بجملة من الملفات والملف الإسلامي إحداها.
ففي أوضاع التوتر بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، تُصوَّر الجالية المسلمة كجالية مقلقة، وتغدو مادة دسمة للإعلام المخاتل، لتتحول فجأة من جالية عمالية تكافح من أجل لقمة العيش إلى خزّان للتوترات الأمنية. يعلو الحديث عن استراتيجية المسجد، وعن مخطّطات اجتياح الغرب وأسلمة أوروبا .
ويجري تسييس الجالية ومصلياتها، ولا يخلو الأمر من بعض الاعتداءات هنا وهناك خصوصا على نسوة محجبات. هي حملات موسمية ودورية يشنّها اليمين الشعبوي ويؤججها كتّاب . تتحول فيها حتى مطاعم “الشاورمة” و”الكباب” إلى نقاط غزو ثقافي وقلب لهوية المجتمع.
ثمة هاجس شعبوي يصرّ على اختلاق المغايرة والتصارع، ولا يقرّ بالتنوع والإثراء ومراعاة الخصوصيات، لتصبّ عملية الشحن في زيادة عزل المهاجر والتضييق عليه في الشغل والسكنى والشارع.
فلا يفوتنا دائما أن “الإسلام في الغرب” أو “الإسلام الغربي” -كما هو بصدد التحوّل والتشكّل- هو مكوَّن حضاري من مكوَّنات الغرب ما بعد الكولونيالي، لا يزال يشقّ طريقه بتؤدة، ويصوغ تفاعلاته مع حاضنة حضارية يطغى عليها الطابع العلماني وتستند إلى مرجعية دينية مسيحية.
وأنّ الملايين المسلمة التي أضحت مستوطِنة في الغرب لا تشكّل مكوَّنا نقيضا للغالبية السائدة، كما يجري الحديث أحيانا، في أوقات التوتر أو عند اندلاع الأحداث الأمنية، وإنما هو مكوَّن أفرزه سياق التحولات لا يزال يشقّ طريقه ويبحث عن هويته داخل تجاذب مزدوج: الارتباط بالأصول الحضارية السّالفة والتماهي مع قضاياها وإشكالياتها؛ والقبول بسياسات مجتمعية تختلف أبعادها ومقاصدها من بلد غربي إلى آخر.
وحريّ أن ندرك أنّ التوتر المتفجر في إيطاليا وفي الغرب عموما -من حين إلى آخر- بين المهاجرين المسلمين وبعض الأطراف المحلية، ذات التوجه الديني المحافظ أو اليميني المتطرّف الذي يُصبَغ بصبغة التهديد لنمط الحياة الغربية، ليس قائما على جلب الشريعة أو أسلمة أوروبا أو ما شابه ذلك.
فالسوادُ الأعظم من المسلمين صاروا جزءا من تلك الديار، ويتماهون مع فلسفتها الاجتماعية وأعرافها المعيشية. وأنّ المطالبة ببعض الحقوق لا تعني تغيير النموذج الغربي أو تهديده، كما يُصوِّر المغالون، بل تنشد خوض إصلاحات ذات طابع اجتماعي حقوقي.
كون المسألة تتلخّص في حيف اجتماعي، قوامه العزل المقصود في الشغل، والاستبعاد على وجه العمد من مواقع النفوذ، والتضييق المتعمَّد على سُبُل الرزق .
لكن عملية النفي تعود أيضا إلى وهن داخل الجاليات المسلمة وإلى لامبالاة مقصودة أحيانا من المجتمع الحاضن. يظلّ فيها كدح المهاجرين والإسهام في بناء المجتمع مرحبا به، ولكن تطلّعات أرواحهم بمناجاة خالقهم، وعيش شعائرهم، واستلهام مخزونهم الروحي في حياتهم ومماتهم يبقى شأنا مصادَرا. والحال أن الكاثوليكية تقرّ بقول المسيح “لا يعيش الإنسان بالخبز وحده، بل بكلمة من فم الربّ”.
ظلّ المسلمون في إيطاليا، رجالا ونساء، على مدى عقود، ولا يزالون مبعَدين قسرا من الإسهام في الدورة الاقتصادية في المجتمع المضيف إلا بما اقتضته الضرورة. ولذلك تجد جلّهم يشتغلون في الأشغال الهامشية والظرفية التي عادة ما ينفر منها الإيطالي.
تلك العطالة المفروضة تمسّ جنسيْ الذكور والإناث من المهاجرين، ولربما العنصر الأنثوي الأكثر تضررا بشكل أوضح، مع أننا نسمع صباح مساء في الإعلام الإيطالي عن انتهاك حقوق المرأة المسلمة في البلدان التي تدين بدين الإسلام.
الإبعاد العمد من نسيج الشركات والمؤسسات الكبرى وحتى الصغرى منها التي تكوّن الاقتصاد الإيطالي، ومن الأشغال التابعة للبلديات بأنواعها هي مظلمة خفية في حقّ الجالية المسلمة، إذ يندر أن تشغّل شركات محلية أو عالمية منتصبة في إيطاليا المهاجر المسلم مثل “كارفور”، و”إيكيا”، و”هاش آم”، و”أوفياس”، و”ماكدونالدس”.
ولسائل أن يسأل كيف تدبّر الأقلية المنبوذة عيشها في ظلّ وضع طارد تتقلص فيه استراتيجيات الاستيعاب. الوضع أجبر شقّ واسع من هؤلاء “المنبوذين” إلى الاشتغال في الأعمال الحرة، في الأسواق والمتاجر والمحلات الخاصة، وثمة عدد لا بأس من بين هؤلاء من يختار الهجرة ثانية إلى مجتمعات أوروبية أخرى بمجرد الحصول على الجنسية.
عملية الدحر والصدّ لا تقف عند الشغل، بل يصل مداها المدرسة. نجد نصف مليون من اليافعين والناشئة من أبناء الجالية المسلمة، ممّن هم في سنّ التمدرس الإلزامي، معفون اضطرارا من “ساعة الدين” التي تُقدّم في المدارس والمعاهد الإيطالية. ففي نظام تعليمي يقرّ بتدريس مادة “التربية الدينية” ضمن البرامج التعليمية، التي هي في الأصل مادة للتربية الكاثوليكية يتولى تدريسها مدرسون ينتقيهم “المؤتمر الأسقفي الإيطالي” وتدفع رواتبهم الدولة الإيطالية بموجب اتفافيات تعود إلى “الكونكورداتو”، تحضر لامبالاة بحقوق أبناء الديانة الثانية غير المعترف بها .
وأحيانا يثار جدل بشأن “ساعة الدين”، يجري فيه الحوار مع أقليات ميكروسكوبية ولكنها نافذة، مثل اليهود والفالديين، في حين يجري التغاضي عن المسلمين. كان نص الدستور الإيطالي السابق في “الكونكورداتو”، قبل عملية التنقيح، ينصّ على صيغة دين الدولة وقد جرى التخلي عنها، ولكن الواقع لم يشهد تحولات ملموسة.
مخبر التعدّدية المفتوح
تستمدّ التعددية، بوجهيها الديني والثقافي، قوّتها وصلابتها من الحاضنة الاجتماعية. وضمن السياق الإيطالي تعيش التعددية حالة اختبار وتجريب لم ترسُ فيها بعد على أسس ثابتة. صحيح في العموم ثمة إطار عام مدني وعلماني تستند إليه الدولة، غير أن التعاطي مع ظواهر التنوع في المجتمع، المتأتية جراء الهجرة، لا تزال عنصرا ضبابيا.
لذلك تجد تعامل السياسات الثقافية العامة مع الوافد الجديد تعاملا فولكلوريا لا يرتقي إلى مستوى مراعاة الخصوصيات، وهو أمر عائد إلى النظر إلى موضوع الهجرة كمحاولة إغاثة ظرفية تأتيها الدولة وليس كظاهرة واقعية وعالمية.
ومن ثَمّ فالتنوع الآتي مع الهجرة هو مختبر مفتوح على مقاربات عدّة، لم يصل فيه التحاور بين مختلف المكوّنات الأصيلة والوافدة إلى مستويات متقدّمة حول طبيعة المجتمع المنشود.
فما من شك أنّ التسامح هو قدرة على قبول المغاير، وهو ينبني بالأساس على إيمان بحقّ الآخر في الحضور والوجود، وهو في حال وضع المسلم في إيطاليا مطلبٌ على صلة كبيرة بالأهليين، أكثر مما ينبغي على الوافدين والناشئين إتيانه والعمل على ترسيخه، حتى وإن بات جانب مهمّ من العملية عائدا إليهم بالنظر. ولكن بمنأى عن ميزان القوى المتحكّم بالعلاقة بين المتسامِح والمتسامَح معه، فالتسامح وقبل أن يكون خُلقا مدنيا على المرء أن يتحلّى به، هو حاجة لازمة داخل التنوّع بغرض الحفاظ على توازن المجتمعات المتعددة.
وهو وعيٌ وإدراكٌ قبل أن يكون مِنّة أو تنازلا أو تساهلا، وكما أشرنا آنفا أن الاستثمار في التوعية والتثقيف هو مجال فاتر في أوساط المسلمين في الغرب، فغالبا ما لا تعي الجموع المسلمة هذا العنصر الحاسم، لكون الثقافة قائمة على عناصر رمزية، وعلى رصيد معنوي، وعلى مفاهيم.
والتسامح الفاعل يتطلّب خلفية ثقافية تدعمه، وهذا ما لا يتوفّر في غالب الأحوال لجموع واسعة من المسلمين في إيطاليا، إذ يبقى النظر للآخر وفق قوالب ضيّقة متأتية من ثقافة الآباء، أو مما هو مستهلَك في أوساط الجالية أو في حدود الأسرة.
صحيح أنّ المسلمين في الغرب معنيون بمراجعة رؤاهم، الدينية والثقافية، وهم يحتكون بواقع مسيحي دبّت في أوصاله آثار الحداثة والعلْمنة، بَيْد أن العملية ليست بالسهولة التي قد نتخيّلها. فليست الجاليات المسلمة كتلة متماسكة موحدة، بل هي كغيرها من الجماعات المهاجرة شظايا من العناصر داخل حاضنة اجتماعية أوسع، بما يجعل حظوظ تشكّل خارطة وعي جامعة بينهم محدودة.
وبالتالي تملي التعددية في المجتمعات المعاصرة تطوير خُلقية جديدة في التعايش، وهي خُلقية غير ناجزة، أي بخلاف ما يذهب في ظنّ البعض أن المجتمعات الغربية مهيّأَة بطبعها ومتسامحة وقابلة للآخر. والمجتمع الإيطالي تحديدا، وجد نفسه بعد موجات الهجرة أمام اختبارات اجتماعية طارئة، أَمْلت عليه إعادة النظر في رؤاه الدينية والقانونية.
ولا شكّ أنّ هناك أوضاعًا طاردةً في إيطاليا، كما هو الشأن في الغرب، ولكن ينبغي ألاّ تدفع إلى مزيد التصلّب الهوياتي في أوساط الجاليات المسلمة، بل يُستوجَب تفحّص أوضاع النفور والتعاطي معها برويّة. كما أن الأوضاع الصعبة لعدد وافر من المسلمين في الغرب، والناتجة بالأساس عن تدنّي القدرات والإمكانات والفرص ومحدودية التكوين الدراسي، ينبغي ألا تدفع إلى الانعزال وضيق الرؤية في الدين والدنيا، لا سيما وأن البؤس الاجتماعي غالبا ما ينتج بؤسا دينيا في النظر والممارسة.
وحريّ أن نشير ضمن السياق الذي يعيشه الإسلام المهاجر إلى مخاطر تحويل الدين إلى خاصية عرقية أو إلى “دين عرقي” (ethnic religion)، وقد تناوَلَ أبعاد هذه المسألة بعض علماء الاجتماع مثل غريلي وهاموند وفارنر . حيث يؤازِر الدينُ المؤمنَ في عملية الاندماج لمَّا يكون تمثُّله بطريقة ديناميكية غير جامدة، بما يسمح للمرء بناء علاقة سويّة قوامها مثلّث الذات والإيمان والمجتمع؛ ولكن كلّما اِعترى تلك العلاقة خللٌ وغدا الدين فيها حكرًا على جماعة المأتى وعنوانا لهوية مغايرة تنافي الانفتاح، يصبح الدين عائقا للاندماج، ضمن تمثّله بمثابة نظام دفاع عن الجماعة الإثنية.
وبذلك التميّز القائم على المزج بين البُعد الديني والخاصيات العائدة لجماعة بشرية (اللغة، ولون البشرة، والأصل التاريخي، وما شابه ذلك) ترى الجماعات الدينية المهاجرة، في الحفاظ على ذلك الرأسمال الرمزي، المعْقَل الأخير للذّود عن كيانها المهدَّد بالاندثار.
نخلص إلى أنّ التعددية هي مشروع تشاركي، حتى وإن كان هناك غيابٌ ملحوظ للتنوعات الدينية والثقافية غير الكاثوليكية، وحضورٌ طاغ لخطاب الهوية التقليدية، وكأنّ التحولات التي تشهدها إيطاليا منذ أربعة عقود غير موجودة. ففي المخيال الجمعي، الأجنبي هو عابر وغير قارّ، وإن كان من مواليد إيطاليا. ولا يعني الحديث أنّ الدولة غائبة عن ترشيد التنوع، ولكن محاولاتها في الغالب تأتي طارئة وظرفية.
في مطلع التسعينيات من القرن الفائت قدّمت بعض الهيئات الإسلامية -اتحاد الجمعيات الإسلامية في إيطاليا، المركز الإسلامي بروما، جمعية “قريش” الناطقة باسم المهتدين الإيطاليين- مشروع “إنتيزا” (مشروع اعتراف) مع الدولة بقي معلقا إلى اليوم. تلته في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 مبادرة من الحكومة اليمينية حينها بقيادة سيلفيو برلسكوني ارتأت أن السبيل لإبعاد المسلمين المقيمين على الأراضي الإيطالية عن الانخراط في المسارات المتشدّدة يقتضي دمجهم في أطر تشريعية وتشجيعهم على خلق هيئة تسهر على الشأن الديني الإسلامي وتكون الناطق الموحد باسم المسلمي.
وهو ما حاولت جل البلدان الغربية فعله حينها. كانت المساعي حثيثة لمأسسة الإسلام وخلق هيئة تمثيلية تتحاور مع أجهزة الدولة. تولت ملف إنشاء “المستشارية الإسلامية” (نوفمبر 2005) وزارة الداخلية حينها، جاءت المبادرة من فوق بإشراف الوزير جيوسيبي بيزانو ولم تُستشر فيها الجالية. لم يمض وقت طويل حتى تلاشى المشروع وذهب بذهاب الحكومة.
الإسلام واقتحام المجال العمومي
طيلة الحقبة المعاصرة ظلّت إيطاليا تعيش أوضاعا دينية مفعمة بالرتابة، ألِفت فيها الساحة التعاطي مع تقليد دينيّ مهيمِن تمثّله الكنيسة الكاثوليكية، ومجموعة من التنوّعات الأقلّوية، المسيحية واليهودية، تقنع فيها الأطراف الحاضرة بأدوار محدّدة في النسيج الاجتماعي. حتى أطلّ الإسلام مع مطلع تسعينيات القرن الفائت، لتشهد الساحة ارتباكا مع قدوم الوافد الجديد الذي سرعان ما طفت قضاياه في المجال العام.
وقد أملت عوامل متنوّعة تداول الإسلام ضمن النقاش العمومي، لعلّ أبرزها حضور أتباع هذا الدين كأمر واقع في الساحة الاجتماعية وكضيف مزعج داخل توزّع الأدوار المعهود في ساحة الاجتماع الديني، ناهيك عن تشابك ذلك الحضور مع أوضاع دولية متوتّرة.
لهذا يبحث الإسلام اليوم عن موضع قدم داخل المجال العام، ويستظلّ بما تتيحه علمانية الدولة من حرية المعتقد، وبما يضمنه الدستور الإيطالي من مراعاة للتعدّدية ومستحقّاتها الحقوقية. حتى وإن افتقد دين الإسلام إلى اعتراف من الدولة، في ظلّ انتظام العلاقة بين التقاليد الدينية الناشئة والسلطات الرسمية ضمن “وفاق” مبرَم (إنتيزا)، يغدو التقليد الجديد بمقتضاه حائزا على صكّ الاعتراف.
وفي ظلّ المستجدّات الدينية التي شهدتها إيطاليا في العقود الأخيرة، قد يبدو الحضور في المجال العام متاحا أمام سائر الجماعات والتلوّنات الثقافية، وتتساوى فيه الحظوظ بين مختلف الأطراف، ولكن الحضور الفاعل يظلّ على صلة وطيدة بمدى انفتاح السوق الدينية ورفع أشكال الاحتكار المستشرية فيها . ما يجعل المجال العام -في أوضاعه الحالية- فضاء تراتبيا أيضا، لا تتساوى فيه الحظوظ والإسهامات.
وبالتالي فإنّ مغانم الاستفادة من هوامش الحرية متفاوتة من جماعة إلى أخرى، فالمجال العام كغيره من المجالات قد يخضع للهيمنة والاحتكار والرقابة أيضا. وعلى هذا الأساس يُصنِّف مجموعة من علماء الاجتماع الأمريكان، يُعرَفون بمنظّري السوق الدينية، إيطاليا ضمن المجتمعات الأوروبية الأكثر خضوعا للمونوبول الديني والاحتكار، وهو احتكار تهيمن فيه الكنيسة الكاثوليكية على المشهد الديني بشكل بارز .
وإذا ما قلنا إنّ الإسلام هو الدين الثاني في إيطاليا بعد الكاثوليكية، فإنّ ذلك لا يضعه في مستوى التقاليد الدينية المبرِمة لوفاقات رسمية مع الدولة، من حيث حضورها وتأثيرها في المجال العام. والإسلام في ظلّ أوضاعه الحالية في إيطاليا مدعاة لإثارة توتّرات في المخيال العام، تتداخل فيها عوامل تاريخية قديمة بأخرى سياسية راهنة يسهم جميعها في خلق حالة من العصابية تجاه المهاجرين المسلمين.
يورد المؤرخ برنار لويس في كتاب “اكتشاف المسلمين لأوروبا” قصة البندقي المنزعج إزاء إنشاء “فندق الأتراك” -حوالي 1602م-، الذي يرتاده التجار والرحالة المسلمون، خشية أن يتحوّل إلى مسجد لعبادة محمّد!!! . تلك التهويمات القروسطية لا تزال حاضرة في الأوساط الكَنَسية واليمينية، وهي تهويمات نابعة عن عجز في التعاطي مع التحوّلات الجديدة بمنظور تعدّدي، والإصرار على الاستئثار بالشأن الديني في ظرف تاريخي شهد تحولات عميقة.
وعود التعدّدية
كما تبيّن لنا تستمدّ التعدّدية صلابتها من الحاضنة الاجتماعية، وهي ضمن السياق الإيطالي تشهد حالة اختبار لم ترسُ بعد على أسس جليّة. صحيح ثمّة إطار مدني عام تستند إليه الدولة، غير أنّ التعاطي مع ظواهر التنوّع في المجتمع، بفعل حضور تقاليد دينية جديدة، لا يزال غائما.
لذلك تجد تعامل السياسات الثقافية العامة مع الوافد الجديد تعاملا فولكلوريا في الغالب، ولا يرتقي إلى مستوى مراعاة الخصوصيات، وهو أمر عائد إلى النظر إلى موضوع الهجرة عامة كإشكال ظرفي تتعامل معه السياسات وليس كظاهرة واقعية وعالمية.
ومن ثَمّ فإنّ التنوّع الناشئ في المجتمع هو مختبَر مفتوح على مقارَبات عدّة، لم يصل فيه التحاور بين مختلف المكوّنات الأصيلة والوافدة إلى مستويات متقدّمة حول طبيعة المجتمع المنشود.
فما من شكّ أنّ التسامح قبل أن يكون منّة هو قدرة على قبول المغاير، وهو يَنبني أساسا على إيمان بحقّ الآخر في الحضور والوجود، وهو في حال وضع المسلم في إيطاليا مطلبٌ على صلة وثيقة بالأهليين، أكثر مما ينبغي على الوافدين والناشئين إتيانه والعمل على ترسيخه، حتى وإن بات جانب هامّ من العملية عائدا إليهم بالنظر.
ولكن بصرف النظر عن ميزان القوى المتحكّم بالعلاقة بين المتسامِح والمتسامَح معه، فالتسامح وقبل أن يكون خُلقا مدنيا على المرء أن يتحلّى به، هو حاجة لازمة داخل التنوّع بغرض الحفاظ على توازن المجتمعات المتعدّدة. وهو وعيٌ وإدراكٌ قبل أن يكون مِنّة أو تنازلا أو تساهلا.
والتسامح الفاعل يتطلّب خلفيّة ثقافية تدعمه، وهذا ما لا يتوفّر في غالب الأحوال لجموع واسعة من المسلمين في إيطاليا، إذ يبقى النظر للآخر وفق قوالب ضيّقة متأتية من ثقافة الآباء، أو ممّا يروج في أوساط الجالية، أو في حدود الأسرة.
صحيح إنّ المسلمين في الغرب معنيون بمراجعة رؤاهم، الدينية والثقافية، وهم يحتكون بواقع مسيحي دبّت في أوصاله آثار الحداثة والعلْمنة، بَيْد أن العملية ليست بالسهولة التي نتخيّلها. فليست الجاليات المسلمة كتلة منسجمة موحّدة، بل هي كغيرها من الجماعات المهاجرة شظايا من العناصر داخل حاضنة اجتماعية أوسع، بما يجعل حظوظ تشكّل خارطة وعي جامعة بينهم محدودة.
الحوار الاجتماعي
في ظلّ أوضاع الجالية المسلمة في إيطاليا في الوقت الحالي، يتعذّر الحديث عن حوار حضاري أو حوار ديني بين الطرفين المسلم والكاثوليكي، وبالمثل عن تثاقف معرفي، بل عن تفاعل معيشي واختبار عملي للسلوكات والقيم والأخلاق. ولذلك لا تسمع صدى لمشاركات ممثّلي الجاليات أو لأطر قياديّة في موائد الحوار التي تُعقَد على مستوى أكاديمي أو جامعي، وكأنّ الأمر من جانب الجاليات المسلمة لا يعنيها.
فتلك الجموع الهائلة لم تنتج بعد نخبة مثقّفة تحمل همومها وتعبّر بلسانها في أوساط الإعلام وبين المشتغلين بالثقافة. فهي جالية منشغلة بما هو ضروري، وبما هو مباشر، وذو مردود براغماتي، وهو ما يمكن تصنيفه في خانة الحوار الاجتماعي.
وفي ظرف تاريخي تعيشه الجاليات المسلمة في إيطاليا، يندر فيه المثقفون والباحثون والدارسون بينها، تبقى حقلا في عهدة آخرين، وتظلّ مرتَهنة داخل قراءات مجحفة يصوغها خطّ يميني منغلق، إذ لا يزال الجيل الثاني من أبناء المهاجرين، جيلا يافعا في سنّ التمدرس الإلزامي في الغالب الأعمّ، وهو الجيل المعوَّل عليه في تقليص الضغوطات في المستقبل المنظور.
أحيانا تُلقى مهمّة ثقيلة على الجاليات المسلمة في صياغة وعيها بأحوالها وتدوين تغريبتها. حين أتملّى أوضاع الجالية في إيطاليا التي أنتمي إليها، يبدو هذا التعويل منافيا للصواب، لما يفتقده من دراية بواقع تلك الجاليات، في ظلّ غياب التقديرات المضبوطة لِقدرات تلك الجموع المليونية ولِما تحوزه من إمكانيات متواضعة.
فنحن بعد عقود من الهجرة لم نصل بعدُ إلى مستوى تشكُّل ما يشبه الشريحة المثقّفة المستوطِنة بإيطاليا، ذات الأصول العربية والإسلامية، وما لدينا هم أنفارٌ متناثرون عاملون في حقل الثقافة والمعارف. في ظلّ اختلال الموازين هذا، يُفترض أن يكون علم الاجتماع أو بشكل أدقّ “سوسيولوجيا الهجرة” الأكثر إحاطة بالتعامل مع الظواهر الاجتماعية المستجدة في المجتمع الإيطالي، والأكثر حرصا على معالجة القضايا ذات الصلة.
ولا نقول تطويع سوسيولوجيا الهجرة لتكون المدافع عن المستضعَفين والغرباء والمهمَّشين، ولكن الأكثر شفافية في عرض الوقائع وانتقاد الخيارات الخاطئة، والتعاطي مع الوقائع بدون تأويلات مجحفة أو قراءات مضلّلة أو أحكام جاهزة.
ـــــــــــــــــ
Massimo Livi Bacci, “In Europa i musulmani resteranno minoranza”, Limes, 1/2018 (gennaio), p. 35.
انظر مؤلف السوق الدينية في الغرب، لرودناي ستارك ولورانس ر. إياناكوني، ص: 67 وما بعدها.
I matrimoni tra cattolici e musulmani in Italia, Notiziario CEI 5 (5 maggio 2005) 139-165.
انظر المداخلات الواردة ضمن كتاب جامباولو ديانين:
Giampaolo Dianin (A cura), L’Europa e le religioni: Identità religiose e progetto di costituzione europea, Edizioni Messaggero, Padova 2003.
انظر موقف المجلس الأسقفي من مسألة الزواج المختلط مع المسلمين.
Paolo Branca, Strategia della moschea. L’Islam radicale tra mito e realtà, Educatt Università cattolica, 1996.
انظر مؤلفي الكاتبين:
Annie Laurent, L’Islam. Ne parliamo ma lo conosciamo davvero? Cantagalli, Siena Italia 2020.
Michel Onfray, Decadenza. Vita e morte della civiltà giudaico-cristiana, Ponte alle grazie, Milano 2017.
Annamaria Rivera, Estranei e nemici. Discriminazione e violenza razzista in Italia, Derive Approdi, Roma 2003, pp. 10-11.
توجد أربع مدارس عربية في إيطاليا تقدّم دروسا متكاملة ومتدرجة: المدرسة الليبية في روما، والمدرسة المصرية في ميلانو، والمدرسة السعودية في روما (أغلقت خلال العام الدراسي 2022/2023)، والمدرسة التونسية في مزارا ديل فالو في صقلية يرتادها أبناء عمال في الصيد البحري أساسا. وهي مدارس لا ترتقي البتة إلى المستوى التعليمي الإيطالي وعادة ما يجد طلابها صعوبات هائلة في دخول الجامعة الإيطالية.
Cf. A. Greely, “Ethnic Variations in Religious Commitments”, in R. Wuthnow (a cura di), The Religious Dimensions, Academic Press, New York 1979, 113-134; Cf. P. Hammond – K. Warner, “Religion and Ethnicity in Late-Twentieth-Century America”, in Annals (1993)527, 55-56.
انظر ترجمتنا لكتاب السوق الدينيّة في الغرب، تأليف مجموعة من الكتاب، دار صفحات، سورية 2012، ص: 80-81.
المرجع نفسه، ص: 67 وما بعدها.
B. Lewis, I musulmani alla scoperta dell’Europa, Rizzoli, Milano 2004, pp. 155-158.




التعليقات