“الإخوان المسلمون” والمرحلة الأمريكية الجديدة
سعيد الزياني ـ دين بريس
يمثل القرار الأمريكي القاضي بتصنيف فروع لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن منظمات إرهابية تحولا دالا في مقاربة واشنطن لملف “الإسلام السياسي”، باعتباره مؤشرا على إعادة ترتيب أعمق لأولويات الأمن والسياسة في التعامل مع الحركات ذات المرجعية الدينية العابرة للحدود، في سياق باتت فيه هواجس الاستقرار تتقدم على الاعتبارات القانونية والفكرية التي كثرا ما حكمت هذا الملف.
وتعكس القراءات الصادرة عن دوائر تحليلية دولية إدراكا متزايدا لدى صناع القرار الأمريكي بأن الحركات الإسلامية لم تعد تقرأ فقط من زاوية العنف المسلح أو المشاركة السياسية، وإنما من زاوية قدرتها على إنتاج أنماط تعبئة اجتماعية مرنة، تتحرك داخل الفضاءات الرمادية بين الدعوي والسياسي والخيري، بما يجعلها، في نظر هذه المقاربات، عاملا مزمنا في إرباك التوازنات الداخلية للدول الهشة.
وتكشف دراسة الحالات الثلاث المعنية بالتصنيف عن تباين واضح في السياقات الوطنية، حيث ارتبطت الحالة المصرية بتاريخ طويل من الصدام بين الدولة وجماعة الإخوان، وتكرست فيها سردية رسمية تعتبر التنظيم تهديدا بنيويا للأمن القومي منذ 2013، فيما انخرطت الحالة اللبنانية في بيئة شديدة التعقيد تتداخل فيها الانقسامات الطائفية مع شبكات النفوذ والسلاح، وهو ما يجعل أي تنظيم ذي طابع إيديولوجي موضع ريبة دائمة، بينما عبرت الحالة الأردنية عن قلق متزايد من تحولات داخلية مست الجماعة وانقسامات أضعفت قدرتها على لعب دور سياسي منضبط داخل قواعد النظام.
وتحرص معظم التحليلات الأكاديمية الغربية على التأكيد أن هذا القرار لا يعكس تصنيفا شاملا لجماعة الإخوان المسلمين بوصفها تنظيما عالمياىموحدا، وإنما يقوم على مقاربة تفكيكية تقيم كل فرع في سياقه الوطني الخاص، وهي مقاربة تعكس إدراكا لتعقيد “الظاهرة الإخوانية”، إلا أنها تثير في الوقت ذاته إشكاليات قانونية وسياسية تتعلق بمعايير التصنيف وحدودها وإمكانية توظيفها في سياقات سياسية متغيرة.
وتبرز الحالة البريطانية مثالا كاشفا لهذه الإشكاليات، حيث امتنعت لندن عن إدراج جماعة الإخوان ضمن قائمة التنظيمات المحظورة، رغم انتقادات رسمية لأفكارها وبعض أنماط اشتغالها، استنادا إلى مراجعة حكومية خلصت إلى غياب أدلة مباشرة تربط التنظيم بأعمال إرهابية داخل المملكة المتحدة، وهو ما يعكس اختلافا بنيويا في الفلسفة القانونية بين المقاربتين الأمريكية والبريطانية في التعامل مع الحركات الإسلامية.
ويندرج القرار الأمريكي ضمن تحول أوسع في تعريف مفهوم التطرف، حيث اتجهت السياسات الغربية إلى توسيع دائرة الاشتباه لتشمل ما ينظر إليه باعتباره بيئة فكرية وتنظيمية حاضنة لعدم الاستقرار، وهو توجه يطرح أسئلة عميقة حول مخاطر الخلط بين الفكر المتشدد، والعمل السياسي المشروع، والنشاط الإرهابي، وحول قدرة الأدوات الأمنية على معالجة ظواهر ذات جذور اجتماعية وسياسية معقدة.
وتحذر دراسات مقارنة من أن الاعتماد المفرط على المقاربة الأمنية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة عندما يقترن بإغلاق المجال السياسي أمام حركات ذات امتداد اجتماعي، حيث تظهر تجارب متعددة أن الحظر والتجريم لا يؤديان بالضرورة إلى تفكيك التنظيمات، وقد يسهمان في إعادة إنتاج خطاب المظلومية وتعزيز النزعات الراديكالية داخل قواعدها.
ويشير اتجاه آخر من التحليل إلى أن ترك هذه التنظيمات تعمل داخل فضاءات قانونية غير واضحة مكنها، في مراحل سابقة، من توسيع شبكاتها واستثمار العمل الخيري والدعوي لبناء نفوذ طويل الأمد، وهو ما يفسر قراءة القرار الأمريكي كأداة ضغط سياسية وأمنية تهدف إلى تجفيف الموارد وقطع الامتدادات العابرة للحدود وتقليص هامش المناورة.
ويظهر القرار، على المستوى الإقليمي، إعادة ترتيب في العلاقة بين واشنطن وعدد من حلفائها في الشرق الأوسط، في سياق يتسم بتراجع الرهانات على إدماج الحركات الإسلامية في العملية السياسية، وصعود منطق الدولة الصلبة، وتغليب هواجس الاستقرار على مسارات التحول الديمقراطي، ضمن مناخ دولي يتسم بتشديد الرقابة على الفاعلين غير الدوليين ذوي المشاريع الإيديولوجية العابرة للحدود.
يكشف تصنيف واشنطن لفروع من الإخوان المسلمين في النهاية عن مرحلة جديدة في التعاطي الدولي مع “الإسلام السياسي”، مرحلة أكثر تشددا وأقل تسامحا مع المناطق الرمادية، تظل مع ذلك محكومة بتناقضات قانونية وسياسية واضحة، حيث ستتوقف نتائجها الفعلية على كيفية تفاعلها مع السياقات الوطنية، وعلى ما إذا كانت ستقترن بمقاربات سياسية واجتماعية تعالج جذور الأزمات، أم ستبقى إجراء أمنيا يعيد إنتاج الإشكال نفسه بأدوات مختلفة..
التعليقات