الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى يدق ناقوس الفجوة بين الدين والتدين ويعلن تسديد التبليغ حلا فاعلا

حمزة الحساني: باحث في الفكر الاسلامي وحوار الاديان ومهتم بقضايا التصوف والتخليق
لم تكن الكلمة التوجيهية التي ألقاها اليوم الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى الدكتور اليزيد الراضي أمام العلماء والعالمات والخطباء ومجموع القيمين الدينيين في المغرب مجرد خطاب إداري أو وعظي تقليدي، بل شكلت وثيقة مرجعية وبيانا منهجيا يرسم ملامح مرحلة جديدة في تدبير الشأن الديني بالمملكة.
تكتسي هذه الكلمة أهمية بالغة لكونها تنطلق من تشخيص نقدي جريء للواقع الديني والاجتماعي، لتبني عليه مشروعا استراتيجيا متكاملا عنوانه الأبرز ورش خطة تسديد التبليغ.
وفيما يلي قراءة تحليلية في المرتكزات الفكرية والمنهجية التي انطوت عليها هذه التوجيهات.
أولا: شجاعة التشخيص، رصد الفجوة بين الدين والتدين
انطلقت الكلمة من مكمن الداء في الواقع الإسلامي المعاصر، وهو ما يمكن تسميته سوسيولوجيا بالمأزق الأخلاقي للانفصال بين المعتقد والسلوك. وضع الأمين العام إصبعه على مفارقة صادمة، حيث يتوفر المجتمع على مرجعية دينية تدعو إلى النبل والعفة والتضامن والصدق، بينما يكشف الواقع المعيش عن سلوكيات مناقضة تماما كالغش والتدليس والأنانية والتنصل من المسؤولية وتفشي الجرائم والإحباط.
هذا التشخيص يعيد طرح سؤال النجاعة الدينية، فإذا كان الوعد الإلهي بالحياة الطيبة مشروطا بالإيمان والعمل الصالح ولم تتحقق هذه الحياة في واقع الناس، فإن الخلل ليس في الوعد ولا في المبدأ، وإنما في سوء الفهم والتطبيق.
ومن هنا جاء الاعتراف المؤسساتي الصريح بأن منهجية التبليغ التاريخية باتت بحاجة إلى مراجعة وترميم، لتتجاوز التلقين الشكلي إلى التأثير الفعلي.
ثانيا: فلسفة تسديد التبليغ، من الخطاب المجرد إلى صناعة الإنسان
يمثل مفهوم تسديد التبليغ الإطار النظري الذي يتحرك داخله المجلس العلمي الأعلى.
والتسديد في دلالته اللغوية والشرعية يعني إصابة الهدف بأقل قدر من الهدر وبأعلى درجات الدقة.
وقد بين الخطاب أن هذا الورش يستهدف حماية إنسانية الإنسان في عصر العولمة والاستلاب الفكري، عبر مسارين نفسيين وتربويين دقيقين، أولهما مكافحة تضخيم الأنا وما ينتجه من نرجسية وغرور واستعلاء، وثانيهما معالجة تحطيم الأنا وما يفرزه من يأس وهوان وعدمية وانسحاب من الحياة.
إن هذا التناول يعكس فهما عميقا لأمراض الحداثة السائلة، ويضع المؤسسة العلمية في موقع المعالج النفسي والروحي الذي يعيد للإنسان توازنه واستخلافه الراشد في الأرض.
ثالثا: مأسسة المنبر الجمعي، خلفيات ودواعي توحيد الخطبة
أفردت الكلمة مساحة واسعة لخطبة الجمعة باعتبارها القناة الاتصالية الأكثر انتظاما وقدسية وتأثيرا في النسيج المغربي.
وفي هذا السياق قدم الأمين العام مرافعة رصينة حول قرار توحيد موضوعات الخطبة المنبرية، استندت إلى أبعاد استراتيجية.
البعد الأول حماية الأمن الروحي والوحدة الوطنية، فتوحيد المشاعر والمفاهيم الكبرى يمنح المجتمع مناعة ضد الاختراق الفكري والانقسام المذهبي.
البعد الثاني الترشيد وحماية الفاعل الديني، من خلال إراحة الخطباء من عناء البحث العشوائي وحمايتهم من الوقوع في فخ الانزلاقات العاطفية غير المحسوبة، أو اللجوء غير المنضبط للفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي الذي قد ينتج خطابا معزولا عن البيئة المغربية وثوابتها.
البعد الثالث الواقعية والبراغماتية الدعوية، إنهاء حالة التحليق خارج السرب التي يمارسها بعض الوعاظ بمناقشة قضايا لا تمس واقع الناس وحاجياتهم الآنية.
رابعا: مركزية ثنائية الإيمان والعمل الصالح، تجديد الفهم العقدي
أما عن اختيار محور الإيمان والعمل الصالح موضوعا قارا للخطب، فإنه يعكس توجها تصحيحيا للمنظومة العقدية ذاتها.
لقد نبه الخطاب إلى أن التوحيد وكلمة الإخلاص ليست تعويذة تقال باللسان، بل هي ميثاق التزام ومسؤولية مدنية وأخلاقية.
إن الاستناد إلى تراث الغرب الإسلامي كالمرشد المعين لابن عاشر يوضح رغبة المؤسسة في تأصيل العقيدة الحية، فالعقيدة التي لا تثمر عملا صالحا نافعا للنفس وللغير وللبيئة هي عقيدة صورية مفرغة من محتواها الشرعي.
هذا الربط هو الكفيل بنقل التدين من دائرة الطقوسية المغلقة إلى فضاء الفاعلية الاجتماعية والتنموية.
خلاصة وآفاق: الرهان على الذكاء الجماعي للعلماء
تختزل كلمة الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى التي ألقاها اليوم إرادة حازمة في عقلنة وتخليق الحقل الديني بالمغرب، تحت المظلة الرمزية والشرعية لإمارة المؤمنين الضامنة لوحدة الملة والوطن.
إن نجاح خطة تسديد التبليغ بات اليوم مرهونا بمدى انخراط العلماء والخطباء والمشرفين الدينيين في استيعاب هذه الفلسفة، فالأمر لا يتعلق بتنفيذ تعليمات إدارية، بل بالانخراط في مشروع نهضوي قيمي يستهدف استعادة المسجد لدوره الحضاري وتحويل الخطاب الديني إلى رافعة حقيقية للأمن والتنمية والاستقرار المجتمعي.




التعليقات