الأمل في قيام فكر سياسي عربي ناضج لن ينجح من دون نقض الأساطير الثقافية حول الشرق والغرب

5 فبراير 2026

تمرسيت حسام الدين

الأمل في قيام فكر سياسي عربي ناضج لن ينجح من دون نقض الأساطير الثقافية حول الشرق والغرب، وتجاوز المفهوم الجوهراني للحضارات والشرخ الأبدي المتخيل بينها والذي للمفارقة ورثناه من الأدبيات الغربية نفسها!

فالعودة إلى مسرح التاريخ يعلمنا أن كل الحضارات تجمع داخلها عناصر متناقضة ومتمايزة عقلية ورومانسية ففي التاريخ الإسلامي ظهر الفقه والتصوف، التسنن والتشيع وفي الحضارة الغربية ظهر التنوير والرومانسية، الليبرالية والاشتراكية. بل وشكلت عناصر عرقية ودينية نسيج حضاري واحد المسيحية واليهودية والإسلام، والعرب والفرس في الحضارة الإسلامية، واليهود والأروبيون داخل الحضارة الغربية. وأيضا لم تخلوا أي حضارة من نزاعات سياسية داخلية منعت الصفاء والتجانس المطلق للدول والمجتمعات السياسية من تتالي وصراع الدول العربية الإسلامية كالأموية والعباسية، وكذا الحروب الطويلة التي شهدتها أروبا و العالم الغربي.

فالحضارات مركبة ومعقدة وليست متجانسة، وهو مايفسر العجز عن التفسير والتنبؤ الدقيق بضعف وأفول الحضارات عكس ما توهم شبلنجر، كما يدحض النظريات الأحادية والمغلقة في تفسير حركة التاريخ مثلما حاولت نظرية توينبي. فالتاريخ الحضاري شبكة معقدة من العناصر الاقتصادية والسياسية والجغرافية والثقافية يستحيل على العقل الإنساني تصورها، وهو الأمر الذي جعل كارل بوبر ينتقد التفسير الماهوي والغائي للتاريخ عند ماركس وهيجل.

حتى فكرة العودة إلى التراث التي تنخر في الثقافة العربية، هي في الأصل جذر ثقافي أجنبي يضرب عميقاً في أدبيات الثقافة الغربية، من خلال إدعاء الوصل الحضاري بين أروبا الحديثة والثقافة اليونانية والرومانية كمنبع لعصور النهضة من دون التنبه إلى أن التحولات الاجتماعية الحديثة ترتبط بحركة تاريخية عالمية تبدأ من سقوط آخر الدويلات الإسلامية في الأندلس في القرن السادس عشر وأصول أخرى تضرب حتى في الصين.

بل إن مجمل الثقافة الإسلامية الحديثة محشوة بتصورات وأفكار استشراقية عن التراث والتاريخ الإسلامي، تنطلق من تعريفات جوهرانية غير محايدة لعناصره الفكرية والأخلاقية، تقدمها كأشكال صلبة وغائية، فعلى الضد من مفهوم الإيمان الأرثوذكسي الصلب يتم التعريف السلبي لكل معايير البرغماتية والتكيفية، والزهد والتقشف الاجتماعي أمام التحصيل النفعي والفردي، واللاهوت السياسي مقابل الواقعية السياسية، ومعرفياً الابستيمية النصوصية نقيضاً للعقلانية التفسيرية.. وهكذا، وكل هذه الثنائيات المعيارية عند التحقيق غريبة عن التراث الإسلامي سياسة وفقهاً نظراً وعملاً، وماهي إلا اختراع استشراقي تم إنتاجه سياسياً وثقافياً في اللاوعي العربي كترسيخ لهذه الصورة الحدية والجوهرية للتراث الإسلامي.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...