الأبواب المفتوحة في المساجد والمراكز الإسلامية بالغرب: جسر للتعارف والتعايش

15 مارس 2026

د. صلاح الدين المراكشي 

إمام وخطيب ومؤطر ديني بفرنسا 

تؤدي المساجد والمراكز الإسلامية في المجتمعات الغربية دوراً يتجاوز وظيفتها الدينية التقليدية، إذ تتحول إلى فضاءات اجتماعية وثقافية مفتوحة تسهم في تعزيز جسور التواصل بين المسلمين وغير المسلمين. ومن أبرز المبادرات التي تجسد هذا الدور مبادرة : “الأبواب المفتوحة” التي تنظمها العديد من المساجد والمراكز الإسلامية كما حال عندنا في فرنسا، خاصة خلال شهر رمضان المبارك.

ففي مثل هذه المناسبات تفتح المساجد والمراكز الإسلامية أبوابها أمام الزوار من مختلف الخلفيات الدينية والثقافية والسياسية، ليتعرفوا عن قرب على الإسلام والمسلمين في أجواء يسودها الاحترام والحوار. ويُعد الإفطار الجماعي في شهر رمضان من أهم الأنشطة التي تندرج ضمن هذه المبادرات، حيث يمثل مناسبة إنسانية جامعة يلتقي فيها المسلمون مع جيرانهم من غير المسلمين، إلى جانب ممثلين عن السلطات المحلية والهيئات الدبلوماسية ومختلف فئات المجتمع المدني ويجتمع الجميع حول مائدة واحدة، بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة، فيتعرف الحضور على العادات والتقاليد المرتبطة بالشهر الفضيل، ويتبادلون الأحاديث الودية في أجواء من الألفة والتعارف.

وهكذا تتحول المساجد والمراكز الإسلامية في الغرب إلى جسور للتواصل الثقافي والإنساني، وفرصة حقيقية لتعزيز قيم التعايش والتفاهم المتبادل. كما تضطلع هذه المؤسسات بدور اجتماعي مهم من خلال انفتاحها على محيطها المحلي، خاصة في ظل الظروف العالمية الراهنة التي قد تشهد أحياناً توتراً في العلاقات. وفي هذا السياق تسهم مبادرات الأبواب المفتوحة في ترسيخ ثقافة الحوار وتعزيز التعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع، كما تساعد على تصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام والمسلمين التي قد تروج لها بعض وسائل الإعلام أو الخطابات المتطرفة. ومن جهة أخرى، تعمل مثل هذه الفعاليات على كسر الحواجز النفسية التي قد تكون نشأت نتيجة أحداث العنف المتكررة أو بسبب الصور السلبية المتداولة عن المسلمين.

عندما يلتقي الناس في مثل هذه المناسبات وجهاً لوجه ويتبادلون الحوار في أجواء يسودها الاحترام والصدق، يكتشف الزوار أن المسلمين جزء أصيل من نسيج المجتمع، يتقاسمون مع غيرهم القيم الإنسانية المشتركة، ويسعون إلى العيش في أمن واستقرار، انطلاقاً من ثقافة راسخة في وجدانهم تقوم على مبادئ التعايش والسلام واحترام الآخر.

وانطلاقاً من إيمان المسلمين بأن التعايش السلمي يشكل أساساً لبناء المجتمعات واستقرارها، تحرص العديد من المساجد والمراكز الإسلامية في الغرب على تنظيم برامج متنوعة ضمن هذه اللقاءات. ولا تقتصر مثل هذه المبادرات على مجرد زيارة المسجد أو المركز الإسلامي والتعرف على مرافقه وأنشطته الدينية، بل تمتد لتشمل مجموعة من الفعاليات الثقافية والفنية التي تعكس ثراء الثقافة الإسلامية العربية وتنوعها.

ومن بين هذه الأنشطة تنظيم ورشات للخط العربي المغربي وغيره من أنماط الخط العربي، إلى جانب ورشات للفنون التشكيلية والرسم التي تجسد قيم التسامح والانفتاح وقبول الآخر. كما تُنظم ورشات لتزيين الأيدي بالحناء بالنقش المغربي التقليدي، إضافة إلى عروض للحرف اليدوية والمكتبات المتنقلة، فضلاً عن التعريف بفنون الطهي التقليدي، وفي مقدمتها المطبخ المغربي وغيرها من المأكولات التي تعكس تنوع الموروث الثقافي. كما تتضمن مثل هذه الفعاليات جلسات حوار مفتوحة يُطرح خلالها العديد من الأسئلة في أجواء من الاحترام والتفاهم، وغالباً ما تكون مصحوبة بتناول الشاي والحلويات التقليدية.

ويتيح هذا النوع من الحوار للزوار فرصة التعرف على تعاليم الإسلام وممارساته اليومية من مصدرها المباشر، بعيداً عن الصور النمطية أو المعلومات المغلوطة، كما يتيح للمسلمين بدورهم فهم تساؤلات جيرانهم واهتماماتهم بشكل أعمق. ومن اللحظات المؤثرة في هذه الزيارات أن يتمكن الضيوف من سماع الأذان عن قرب ومشاهدة المصلين أثناء أدائهم للصلاة. فهذه التجربة تمنح الزائر تصوراً حقيقياً عن روحانية العبادة في الإسلام، وتكشف له جانباً من القيم الأخلاقية التي يقوم عليها الدين الإسلامي، الأمر الذي يترك في كثير من الأحيان أثراً إيجابياً يعزز مشاعر الاحترام والتقدير المتبادل.

وغالباً ما يعبر الزوار، بمن فيهم القيادات الدينية والثقافية في المجتمع، عن تقديرهم لمثل هذه المبادرات ورغبتهم في استمرارها وتطويرها. كما يحرص كثير منهم على تدوين انطباعاتهم وتوقيعاتهم في سجلات الزيارة، ويبدون استعدادهم للعودة مرة أخرى والمشاركة في فعاليات مماثلة. ويؤكد ذلك أن الحوار المباشر والتواصل الإنساني الصادق يظلان من أنجع الوسائل لبناء جسور الثقة والتفاهم بين أفراد المجتمع.

ومن هنا تبرز أهمية إبراز مثل هذه المبادرات في وسائل الإعلام، لما تحمله من رسائل إيجابية تعكس حقيقة العلاقة القائمة على الاحترام والتعايش بين المسلمين وغيرهم، بدلاً من التركيز على الصور النمطية أو الروايات المغلوطة التي قد تسيء إلى هذه العلاقات.

ويمكن القول إن مبادرات الأبواب المفتوحة التي تنظمها المساجد والمراكز الإسلامية في الغرب تمثل – فعلا- نموذجاً عملياً وراقياً للتعايش الإيجابي بين مختلف الثقافات. فهي لا تكتفي بالتعريف بالإسلام وقيمه السمحة، بل تسهم أيضاً في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وتفاهماً، يقوم على الاحترام المتبادل والتعاون بين جميع مكوناته. ومن خلال هذه الجهود تواصل المساجد والمراكز الإسلامية أداء رسالتها الحضارية بوصفها فضاءات للعبادة والحوار والتواصل الإنساني في آن واحد.

والله الموفق.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...