استسلام ونهاية ولاية الفقيه
ماني منصور. كاتب من العراق
مهما لف ودار العشاق والمحللون فإن إيران تستسلم. بل راحت تفتح دون مقابل مضيق هرمز مع انه بقي مغلقاً عليها فقط.. شرط توقيعها وثيقة الاستسلام!
الحقيقة الواقعية الصارخة تقول لم يبق أمامها إلا فرصة واحدة: أن تدخل إلى “خيمة باكستان” — على وزن خيمة صفوان (حيث لحظة استسلام “أسد البوابة الشرقية” صدام لأميركا عام 1991–
وعليه لم يعد توقيع قاليباف وعراقجي على بياض أمام “المرشد” الأمريكي الجديد.. إلا مسألة وقت .. فلا خيار آخر!! (تحديث: أكد تقرير لأكسيوس اليوم أن وزير الخارجية عباس عراقجي مختلف منذ الخميس، وهو موجود حاليا في جناح خاص بمنتجع “البستان” في مسقط، وأن هاتفه الشخصي والمؤمن صودر بقرار سيادي إيراني لضمان عدم تسريب تفاصيل “المقايضة” قبل إتمامها تقنياً)
يمكن لك أيها الممانع المنفعل أن تعنطز، تصرخ، تسب، وتشتم، وتلطم .. لكن هذه هي الحقيقة العارية: لا خيار.. أنت وضعت نفسك في هذه المصيبة التي حذرناك منها ومعنا الآلاف. ولكن لماذا سيوقع قاليباف؟ لأنه يريد المحافظة على بلاده وليس حياته. إن فكرة الشهادة الشيعية والتضحية لم توضع لكي تقدم بلا ثمن. وهذا ما لا يفهمه الذيول.
لقد قلنا مبكرا إن النظام انتهى عمليا يوم 8 أبريل، مع وقف إطلاق النار الذي فُرض قسراً، وقبل ساعات من تنفيذ تهديدات المهرج ترامب. عندها لم يبق لدى ما تبقى من النظام ما يقاتل به.
لقد خسر جميع الأوراق، وجميع القيادات حتى الصف الثالث. ولا جدوى بعد الآن، لا من “الممانعة” ولا حتى من “المقاومة”. تقاوم ماذا؟ ومن أجل ماذا؟ بل لا توجد كذلك فرصة للهرب. نظام إيران دولة داخل ميليشيا وميليشيا داخل دولة، ولهذا يختلف عن حزب الله فهو لا يستطيع أن يختفي خلف جدار الدولة الهشة مثل لبنان أو العراق. ويجب أن يخرج ويوقع وثيقة تنازله وتراجعه علنا، بل وإعلان ندمه عن العداء لأميركا وربما إسرائيل أيضا!
السيناريو القادم: التخادم الجديد والفقيه “المسالم”
ما يغيب عن ذهن الكثيرين هو أن إيران لن تعود لقصف أي أحد. لا في الخليج ولا في إسرائيل. وإلا سيكون عندها الثمن هائلا جدا، وبلا مقابل. فالحرب من جهتها وبوصفها الطرف المهزوم “وهذا لا يفرحنا”. أما من جهة إسرائيل وأمريكا، فباعتبارهما منتصرين فإن وقف إطلاق النار لن يتوقف. سيستمران بضرب بقايا ميليشيات النظام متى ما شاءا. بل سيرسلان فرق تفتيش متخصصة على الأرض الإيرانية في أي مكان يعجبهما، بالضبط كما حصل مع عراق صدام حسين بعد 1991.
السؤال: هل انتهت الحرب؟
الجواب كلا: لأن النظام القديم باقٍ بدون أجنحة ولا رأس ولا مال، وبرغبة أميركية فقط؛ لكي يسلم الراية لنظام جديد كلياً. طبعاً، ستستمعون لحديث مختلف إعلامياً عن استثمارات وعقود وفرص ومعاهدات واتفاقيات.. هذه كلها تفاصيل في بنود الاتفاق-الاستسلام.
وسيتضمن: تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة عشر سنوات أو عشرين، حرية الملاحة في مضيق هرمز، و”فصل الساحات” بين إيران وحلفائها (في لبنان والعراق).
لكن كل ما سيذكر في المعاهدة مجرد كلام تفصيلي. لأن التفصيل الأخطر لن يقال، وهو: الهيمنة الأميركية المطلقة على إيران أرضاً وسماءً وبحراً وسياسة واقتصاداً. (وهذا هو الهدف المستتر للحرب كلها).
ولكن، هل ستخرج إيران كقوة إقليمية كبرى بعد ذلك؟
ربما، لكن بصفتها “شرطياً تابعاً” لأميركا فقط. ولا بأس أن يكون شرطياً “يؤمن بولاية الفقيه”! فلن يختلف الأمر. وقد سبق للأمريكيين أن تفاهموا مع “الولي الأول” (الخميني) عبر بوابة “إيران غيت”، ومع الولي السيستاني في العراق بطريقة أو بأخرى.
بالعكس، وجود فقيه “مسالم” طيوب حبوب مفيد جداً؛ فهو يستطيع على الأقل إسكات “قطعان الأتباع” التي تنبح علينا لمجرد قول فكرة أو كلمة لا تعجب سادتهم. فلا يوجد مانع من تحول انظام الجديد لأداة لضبط استقرار المنطقة وفق المقاس الأمريكي.
فجذور التخادم بين الطرفين “عريقة”: من “إيران-كونترا” إلى التحالف ضد صدام وداعش. وكلنا نتذكر فضيحة (إيران غيت) في الثمانينيات، حين كان النظام يسب أمريكا علناً ويستلم منها ومن إسرائيل الأسلحة سراً لضرب خصومه. وكيف سهل خامنئي احتلال العراق في 2003، حيث كان “الولي” هو المستفيد الأكبر من إسقاط خصمه اللدود على يد “الشيطان الأكبر”.
فشل أميركي أم ولادة نظام عالمي جديد؟
ولكن هل سيكون هذا انتصاراً أميركياً؟ لا أعتقد. لأن هجوم أمريكا بهذه الطريقة الهمجية العنجهية على الجميع في عهد ترامب سيؤدي مع الوقت إلى نشوء نظام عالمي جديد لا يمكن فيه لقوة واحدة التحكم فيه.
فقد أثبتت إيران بصمودها عديم الجدوى، أن التفوق العسكري الأميركي المطلق لم يعد كافياً حالياً حتى لإخضاع ترسانة بلد عسكرية شبه حديثة مثل إيران، فكيف بمواجهة بلدان مثل فرنسا وروسيا وبريطانيا وألمانيا والصين والهند؟ لقد أصبحت المسيرات، والصواريخ فرط الصوتية، والزوارق الخفيفة الرخيصة، قادرة على مواجهة وإزعاج أكبر ترسانة عسكرية في التاريخ مثل أمريكا.
المشهد الإقليمي: إسرائيل الوحيدة، و”البعابيص” العراقيون
إسرائيلياً: سيكون مشروعها مع كل الأسف، رغم دمويته وعنفه وإجرامه الذي تجاوز كل حدود، هو الوحيد المتبقي في المنطقة . ولن تقف في مواجهته إلا تركيا وحليفتها قطر، وهما ضعيفان ويعملان بطريقة “الخبيث الخنيث”، لذا يكفي نهرهما بطريقة نتنياهوية حاسمة لجعلهما يصمتان لفترة طويلة..
لا توجد مشكلة مع إجرام إسرائيل، مثلما لم تكن هناك مشكلة مع جرائم صدام والأسد وغيرهما. بل سنجد من يقوي علاقاته بإسرائيل أكثر وأكثر، لدرجة توقيع معاهدات وتطبيع “إبراهيمي” ما بعده تطبيع!
يتحمس أو ينافق بعض الجمهور الممانع ويقول: خسر الكيان الإسرائيلي سردية التفوق المطلق، وتهشمت نظريته بالردع بسبب الصواريخ الإيرانية. والحقيقة، كان الأمر يبدو هكذا في البداية، ولكن ظهر في النهاية أن “حائك السجاد” الإيراني لم يحيك سوى غبائه الاستراتيجي؛ فقد كان الصمود “الإسرائيلي” أقوى من الصمود الشيعي الحماسي. بل إنه ما زال يريد مواصلة القتال، فيما يهرع حزب الله وإيران لتوقيع اتفاق وقف إطلاق نار يفرضه ترامب على نتنياهو بأوامر نهائية، كلها سب وشتم!
وهذا سببه يعود لفساد العقيدة التي يؤمن بها الولي الفقيه وينشرها، فهي عقيدة غبية وحمقاء تطالب بمحو الآخر من الوجود، بحيث تدفع الآخر إلى تجنيد كل قواه “الهائلة” للقضاء عليه كلياً وبدون أي رحمة ولا تهاون ولا توقف.
عراقياً: سيتعود “البعابيص” مع الوقت على مدح “المرشد الأمريكي الجديد” والتغني برحمته وعطفه وكرمه.. فلم يعد هناك من يجزل العطاء لهم غيره، فضلاً عن الحماية والتغطية السياسية. انتظروا سنة وسترون هذا فعلاً.
القضية الفلسطينية: من قضية إلى “مسألة”
كالعادة وبعد كل مصيبة: سيعاني الفلسطينيون مرتين: أولاً من عنصرية حكام إسرائيل ومتطرفيها، وثانياً من حماقة وعجز المتحججين بالدفاع عنهم.
لكن هناك بصيص امل باحتمال أن تتحول أخيراً من “قضية” إلى “مسألة”.
فلم تعد المشاريع الطوباوية ممكنة او حتى مهضومة،
وهو تحول كفيل وحده بالعثور على حل أخير لهذه المأساة الهائلة لشعب سرقت واغتصبت أرضه، ونُكل به، وتاجر باسمه الجميع.
التعليقات