استراتيجيتان جديدتان في حرب الصورة في الشرق الأوسط
عبد السلام الكلاعي. مخرج مغربي
لم تعد الحروب تُخاض فقط بالأسلحة التقليدية. فإلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة، تدور معركة أخرى أقل ضجيجاً لكنها لا تقل تأثيراً، وهي حرب الصور والفيديوهات. ففي زمن الشبكات الاجتماعية والهواتف الذكية، أصبحت الصورة المتحركة أداة استراتيجية قادرة على تشكيل الرأي العام، وتحديد من هو الضحية ومن هو المعتدي، بل وحتى إعادة صياغة معنى الأحداث نفسها.
في هذه الحرب الجديدة في الشرق الأوسط أثار انتباهي ظاهرتين جديدتين في الحرب الإعلامية التي توظف الصور المتحركة لخلق أسلوب دعاية جديد من شأنه أن يقدم رواية خاصة عن الحرب:
1- الفيديو السياسي بلغة الثقافة الشعبية.
في هذه الحرب الأخيرة ظهرت ظاهرة لافتة في التواصل السياسي الرقمي، حيث بدأت مؤسسات رسمية، من بينها منصات مرتبطة بالبيت الأبيض، في نشر فيديوهات قصيرة توظّف عناصر من الثقافة الشعبية. ففي بعض هذه المقاطع تُستخدم لقطات من أفلام شهيرة بوجوه نجوم عالميين مأخوذة من مقاطع من أفلامهم وموضبة بأساليب مونتاج مستوحاة من أفلام الحركة، أو توظيف مشاهد من ألعاب فيديو شهيرة مثل GTA، وأخرى توظف صوراً من مباريات رياضية مثل مقابلات البايسبول حيث كل ضربة كرة بالعصى تؤدي إلى صورة توثيقية لإنفجار قنبلة على هدف ما.
هذا النوع من الفيديوهات الذي يعتمد على الإيقاع السريع والموسيقى الحماسية، والصور المقطّعة التي تشبه ما اعتاد الجمهور على رؤيته في الأفلام أو الألعاب الإلكترونية أو المقابلات الرياضية أو الإعلانات الإشهارية، الهدف منها ليس فقط نقل رسالة سياسية، بل تحويل الخطاب السياسي إلى تجربة بصرية ترفيهية قابلة للنشر السريع على الإنترنت وفي مواقع التواصل الإجتماعي.
2- توظيف الذكاء الاصطناعي من أجل تضخيم التضليل:
مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة الصور والفيديوهات، دخلت حرب الصور مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. أصبح بالإمكان إنتاج صور وفيديوهات واقعية تماماً لأحداث لم تقع أصلاً. هذه الصور المفبركة يمكن أن تنتشر بسرعة هائلة قبل أن يتم كشفها.
وهذا يعني أن الجمهور لم يعد يواجه فقط حرب روايات، بل أيضاً حرباً على الحقيقة نفسها.
حرب الصور هذه، هي قبل كل شيء حرب على الوعي. فالقوة العسكرية قد تحسم معركة على الأرض، لكن الصورة هي التي تحسم المعركة في عقول الناس. إذ لا يكفي أن يحدث الحدث. الأهم هو: كيف سيُرى هذا الحدث؟
هاتين الاستراتيجيتين الجديدتين في توظيف الصور أثناء الحرب يجب أن تثيرا نقاشاً نقدياً حقيقياً بين الباحثين في الصورة والإعلام، فحين تختلط لغة الدعاية السياسة بلغة الترفيه والصور المصنوعة بالذكاء الاصطناعي، يصبح الخبر السياسي نفسه أبعد ما يكون عن الحدث الواقعي وأقرب إلى عرض بصري يبتعد أكثر فأكثر عن “الحقيقة” في الميدان.
التعليقات