اختلالات بنية التلقي المعرفي للقرآن الكريم وآفاق استئنافها (3/3)

القرآن والبحث والباحث والمبحوث في الفضاء الأكاديمي والثقافي العربي-المسلم؛
اختلالات بنية التلقي المعرفي وآفاق استئنافها. المقالة السادسة (3/3)
فلسفة القراءة بين الوصل القرآني والانقطاع الحداثي: تذكرات في سورة العلق
الدكتور رفيق الناوي
المحور الثالث: الخلق المطلق والإنسان الكلي؛ حركة من التنزيل إلى الإنسانية
أولاً: الخلق المطلق بلا مفعول؛ فتح كوني للقراءة
من أبلغ ما يُلفت النظر في بنية الآيات الخمس الأولى من سورة العلق أن فعل الخلق جاء مطلقاً في المرة الأولى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ — دون أن يُذكر مفعول. لم يقل: الذي خلقك، ولم يقل: الذي خلق الكون، بل جاء “خَلَقَ” مجرداً من مفعوله. وهذا الإطلاق ليس إغفالاً بل توسيع أفق القراءة المأمور بها لكيلا تنفتح على موضوع محدد من الوجود دون غيره، بل تنفتح على الوجود كله بوصفه مخلوقاً وآيةً ومجالاً للتعرف ومساحةً لاشتغال العقل المهتدي بنور الربوبية.
وهذا الإطلاق يُقيم نظاماً للمعرفة لا تُستثنى منه ظاهرة ولا موضوع؛ فالإنسان مخلوق يُقرأ، والطبيعة مخلوقة تُقرأ، والتاريخ مسار للمخلوقين يُقرأ، والاجتماع تنظيم للمخلوق يُقرأ. كل شيء داخل في نطاق القراءة المأمور بها لأن كل شيء داخل في نطاق الخلق الإلهي. وقد نبّه الطاهر ابن عاشور إلى هذا المعنى حين قال إن إطلاق “خلق” دون مفعول يُفيد التفخيم والتعميم: أي أنه خالق على الإطلاق لا خالق هذا الشيء بعينه (ابن عاشور، التحرير والتنوير، 30/403).
غير أن السياق القرآني لا يترك هذا الإطلاق بلا توجيه، بل ينتقل فوراً إلى التخصيص: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. والانتقال من إطلاق الخلق إلى تخصيص الإنسان هو في نفسه بيان لأولوية المعرفية القرآنية: الوجود كله مجال القراءة، لكن الإنسان هو محورها ومقصدها الأعمق.
ثانياً: الربوبية شرط القراءة لا زينتها
﴿اقرأ باسم ربك﴾.
الربوبية في هذه الآية ليست افتتاحاً تعبدياً خارجياً يُضاف إلى القراءة من خارجها -كالدعاء الذي يُقرأ قبل الشروع في العمل ثم يُطوى جانباً- بل هي الشرط الداخلي الذي يُحدد ما إذا كانت القراءة قراءةً هاديةً أم قراءةً عمياء، موصولةً أم مبتورة، بانيةً للإنسان أم ماسخةً له.
وما يُؤكد هذا هو أن الربوبية تُقدَّم بثلاثة أوصاف متراكبة في هذه الآيات القليلة: الذي خلق؛ فهو مصدر الوجود والأكرم؛ فهو مصدر العطاء والفضل والذي علّم بالقلم؛ فهو مصدر المعرفة ذاتها. وهذا التراكب يعني أن ربط القراءة بالربوبية ليس استعانةً بقوة خارجية بل عودةً إلى الأصل الذي منه انبثق الوجود ومنه يُعطى الفهم ومنه يُستمد العلم.
ومن هنا تظهر دلالة عميقة في الانفصال عن الربوبية: المنفصل عنها لا يُصبح محايداً معرفياً بل يظل محكوماً بها على جهة السلب والانقطاع. فكما أن من يُغمض عينيه في ضوء النهار لا يُصبح في حالة محايدة بين النور والظلام بل يدخل في ظلام مصطنع بينما النور يحيط به من كل جانب، كذلك القارئ المنفصل عن الربوبية لا يخرج من منطق العلاقة التي أسّستها الآية بل يعيشها على نحو السلب والحرمان: يستخدم عقلاً أُعطيه من الأكرم ثم يُوظّفه دون أن يعترف بمصدره، ويُنتج معرفةً بأداة خُلقت للهداية ثم يسلكها في غير وجهتها. وهذا ليس حياداً بل هو -بالتعبير القرآن- ضلال له إثر واقعي وهو الشقاء: خروج بالقوة عن وظيفته الأصيلة لا إلى وظيفة بديلة مكافئة.
ثالثاً: القراءة التي لا تُؤلّه الإنسان ولا تُفككه
في مواجهة مشروعين فكريين طرح كل منهما نفسه بديلاً عن الآخر تقف فلسفة القراءة القرآنية في موقع ثالث يتجاوزهما معاً:
المشروع الأول: الإنسانوية الحداثية التي جعلت من الإنسان محور الكون وغايته ومقياسه — أي آلهته من حيث أرادت تكريمه. وهذا التأليه لم يُنقذ الإنسان بل أثقله بعبء لا يُطيقه: عبء الاكتفاء الذاتي في عالم لا يمنحه معنى إلا من ذاته. وقد كان نيتشه أصدق هذا المشروع حين استبدل الإله بـ”الإنسان الأعلى” فأنتج وحشاً لا بشراً (Nietzsche, 1883/1969, p.41-43).
المشروع الثاني: ما بعد الحداثة التي نقدت تأليه الإنسان الحداثي لكنها لم تُنقذ الإنسان بل ذرّرته: فككت الهوية، أسقطت المرجع، نفت الجوهر — فخرج الإنسان من قفص التأليه ليجد نفسه في صحراء التشظي.
أما القراءة التي تبدأ باسم الرب فتتجاوز الموقفين بآلية مختلفة: لا تُؤلّه الإنسان فتُثقله، ولا تُفككه فتُشتّته. بل تُعيده إلى حقيقة علقه؛ تُذكّره بأنه عظيم لأن الله كرّمه لا لأنه اكتفى بذاته، وأنه قادر لأن الأكرم علّمه لا لأن عقله استقل بنفسه. وهذه العودة إلى العلق ليست إهانة للإنسان بل تحريره؛ من عبء الادعاء الذي لا يُطاق، ومن ثقل الاكتفاء الذي يُوهم، ومن وحشة الانقطاع عن المصدر الذي يُغذّي. كما تفهم في أفق بعدين متكاملين:
- عودة للدراسة والفهم (أي القراءة العلمية للإنسان)
- عودة للخدمة والاستخلاف (أي التوجه نحو صون كرامته)
رابعاً: القراءة الكونية والمشروع الحضاري المفتوح
ما تُفيده الحركة من “ربك” إلى “الإنسان” في بنية الآيات أن مشروع القراءة القرآني مشروع حضاري كوني لا يُحتجز بأُطر ضيقة:
- ليس مشروعاً طائفياً يخدم جماعة بعينها؛ فالإنسان الذي تدور حوله الآية ليس المسلم فحسب بل الإنسان من حيث هو إنسان.
- وليس مشروعاً دفاعياً يُريد الانتصار في صراع هوياتي؛ فالغاية ليست إثبات تفوق الحضارة الإسلامية بل إعادة وصل الإنسانية بأفقها الرحموتي ممّا يجعل من المعرفة طريقاً إلى الرحمة لا أداةً للسيطرة، ومن القراءة سبيلاً إلى الهداية لا تراكماً للقوة.
ولهذا يستطيع الباحث المسلم المنطلق من هذا الأفق أن يُسهم في الحوار الإنساني الكبير حول صورة الإنسان لا من موقع المدافع عن موروثه، بل من موقع من يحمل رؤية – رؤية تقول: الإنسان كائن تعلّق لا كائن استغناء، ووجوده يكتمل بالاتصال بمصدره لا بالانقطاع عنه. وهذه الرؤية تُعنى بالإنسانية كلها لأنها تنطلق من “خلق الإنسان” لا من “خلقك”.
وقد لمّح طه عبد الرحمن إلى هذا البُعد الكوني في مفهوم الائتمانية حين أكد أن الإسلام لا يُقدّم نفسه خصماً للإنسانية بل مُؤتمَناً عليها: “الأمانة الإسلامية ليست حكراً على المسلمين بل هي أفق مُعروض على الإنسانية جمعاء” (طه عبد الرحمن، روح الدين، 2012، ص.152).
المحور الرابع: من المهارة التقنية إلى الفعل الوجودي
أولا: القراءة الحديثة حين تنفصل عن أفقها الغائي
ما الذي يحدث حين تُقطع هذه الصلة – صلة القراءة بالاسم، وصلة المعرفة بمصدر الوجود، وصلة العلم بالكرم الإلهي والمسؤولية الإئتمانية؟ ليس هذا سؤالاً افتراضياً بل وصف لما حدث فعلاً في المنظومة المعرفية الحداثية ولما ينعكس بصورة أشد التباساً في الممارسة البحثية للمثقف ـ الباحث المسلم.
حين تنفصل القراءة عن أفقها الغائي تتحول إلى:
تراكم بلا وجهة: المعرفة تتراكم لكنها لا تُبني حكمة. يُنتج الباحث دراسات ومقالات وكتباً، لكنها في مجموعها لا تُجيب عن السؤال الذي ينبغي أن يُوجّه كل بحث: ما الذي يُفيد به هذا العلم في فهم الإنسان وصون كرامته وتحقيق غايته الوجودية؟ وحين لا يُطرح هذا السؤال تصبح الكثرة الكمية للإنتاج ليست دليلاً على صحة الممارسة بل على استمرار دوران عجلة لا وجهة لها.
أداء بلا مسؤولية: حين تكون المعرفة سلعة أكاديمية – تُنتج لتُنشر وتُنشر لتُقيَّم وتُقيَّم لتُرقّي – يفقد الباحث علاقته بما ينتجه من حيث أثره في الإنسان والمجتمع. يكتب عن الفقر دون أن يُحسّ بأنه مسؤول أمام الفقراء عن ما كتب. يكتب عن الهوية دون أن يُحسّ بأنه أمانة في عنقه أمام من يُشكّل فهمه لهويته. وهذه اللامسؤولية ليست رداءةً أخلاقية بل نتيجة منطقية لمنظومة معرفية لا تعترف بمعنى الأمانة.
قراءة للعالم تُنتج استلاباً: حين يقرأ الباحث الإنسان والمجتمع بأدوات لا تعرف إلا ما هو قابل للقياس والتحقق، فهو لا يُنتج صورة محايدة عن الإنسان بل يُنتج صورة مُبتورة: صورة تحذف منه ما لا يُقاس وما لا يُحقَّق – أي تحذف منه تحديداً ما يجعله إنساناً بالمعنى القرآني: الروح المنفوخة فيه، والأمانة المستودعة عنده، والمآل الذي يتحرك نحوه.
ثانيا: التعليم بين التكوين المهني وبناء الإنسان
﴿الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم﴾.
في هاتين الآيتين نموذجان للتعليم يستحق التأمل في الفرق بينهما: التعليم بالقلم – الذي يحيل إلى التراكم المكتوب والمعرفة المنظّمة والتعليم المؤسسي – والتعليم ما لم يعلم – الذي يحيل إلى أن الإنسان في كل مرحلة من حياته قابل لتجاوز ما عرفه إلى ما لم يعرفه بعد، بمعونة إلهية تسبق كل جهد بشري.
هذا التمييز يُضيء إشكالية راهنة ومُلحّة: الفرق بين التعليم بوصفه تكويناً مهنياً والتعليم بوصفه بناءً للإنسان.
التكوين المهني – وهو ما تُركّز عليه المؤسسات التعليمية الحديثة في معظمها – يُنتج باحثاً يُتقن أدواته: يحلل البيانات، يكتب المقالة الأكاديمية، يُراجع الأدبيات، يُطبّق المنهج. وهذا كله ضروري ولا غنى عنه. لكنه لا يكفي لأنه يُنتج كفاءة بلا وجهة: باحثاً يعرف كيف لكنه لا يعرف لماذا ولمن وإلى أين.
بناء الإنسان في المقابل هو ذلك البُعد الذي يجعل المعرفة فعلاً وجودياً متكاملاً: يُشكّل الباحث في علاقته بما يبحث فيه، ويُبني فيه القدرة على الموقف الأخلاقي من نتائجه، ويُغذّي فيه ذلك الحسّ الذي يُميّز بين المعرفة التي تُعين على فهم الإنسان وصون كرامته والمعرفة التي تُعيد إنتاجه مُبتوراً أو مُستباحاً.
والتعليم القرآني بمعناه الأشمل هو في جوهره بناء للإنسان: لا يهتم فقط بما يُعلَّم بل بمن يُعلَّم وكيف يتشكّل المتعلّم في علاقته بما تعلّمه وبمن علّمه وبمن يخدمه بعلمه. وهذا البُعد هو تحديداً الغائب في منظومة التعليم الحديث التي تُقيس النجاح بالكفاءة الإجرائية لا ببناء الإنسان الذي يُمارسها.
ثالثا: الأكرمية وأخلاق المعرفة – ما لا تقوله الابستيمولوجيا الحديثة
﴿اقرأ وربك الأكرم﴾.
وصف الله بالأكرم في سياق التعليم ليس مجرد ثناء، بل هو تأسيس لـأخلاق المعرفة غائبة تماماً عن المنظور المعرفي الحداثي.
الكرم في العطاء يقتضي ثلاثة أشياء: أن يكون العطاء فضلاً لا معاوضة، وأن يكون العطاء أعظم مما يستحق المُعطَى له، وأن ينشئ العطاء علاقةً لا تنتهي بانتهاء الشيء المُعطى. وحين يكون الله هو الأكرم في التعليم، فمعنى ذلك أن المعرفة التي يمتلكها الإنسان ليست حقاً مكتسباً بكفاءة الباحث وجهده وحده، بل هي في جوهرها منحة: والمنحة تقتضي امتناناً، والامتنان يقتضي شعوراً بالمسؤولية تجاه المُنعِم وتجاه المنعَم عليهم الآخرين.
وهذه الأخلاق في سياق البحث تعني أن الباحث لا يملك ما ينتجه من معرفة، بل يستأمن عليه. ومن يستأمن على شيء يسأل دائماً: كيف يُؤدّي هذه الأمانة خيراً؟ لمن يُقدّم ما أُعطيه؟ وكيف لا يخون ما عُهد إليه؟
وهذا يُنتج صورة مختلفة تماماً للباحث عما يُنتجه المنظور الحداثي للمعرفة: ليس المالك الذي يحتكر المعرفة ويحمي حقوقها الفكرية، ولا الخبير الذي يبيع كفاءته في السوق الأكاديمية، بل الأمين الذي تسبق مسؤوليتُه منفعتُه.
رابعا: البحث بين تراكم المعلومات واستئناف الحكمة
من أكثر التمييزات كشفاً في هذا السياق التمييز الذي أشار إليه كولن ويلسون حين فرّق بين المعرفة (knowledge) والفهم (understanding)؛ فالمعرفة تراكم معلومات، والفهم هضمها وتحويلها إلى رؤية تُغيّر من يحملها (Wilson, 1967). غير أن ما يُضيفه الأفق القرآني يتجاوز هذا التمييز إلى مستوى أعلى: مستوى الحكمة.
الحكمة في المعجم القرآني ليست مجرد فهم متعمّق للأشياء، بل هي وضع الشيء في موضعه الصحيح من الكون والإنسان والغاية. الحكيم من يعرف ماذا يفعل بما يعلم، ومتى يفعله، ولمن، وبأي قدر، وإلى أي غاية. وهذه الحكمة لا يُنتجها تراكم المعلومات ولا الإتقان الإجرائي للمنهج، بل يُنتجها التشرّب الوجودي بالأفق الهادي الذي يجعل كل معرفة ذات موضع في المشروع الكبير.
وما يُلاحظه المراقب للواقع البحثي في العالم العربي والإسلامي هو نزوع واضح نحو تراكم المعلومات على حساب استئناف الحكمة: دراسات كثيرة تُنجَز، إحصاءات تُجمع، مقالات تُنشر، لكن الصلة بين هذا الإنتاج الهائل وبين السؤال الكبير – ما الإنسان الذي نُريد، وما المجتمع الذي نسعى إليه، وما المعرفة التي تُعيننا على ذلك – هذه الصلة ضعيفة أو غائبة. وغيابها ليس نتيجة إهمال بل نتيجة منظومة لا تعرف هذا السؤال ضمن معاييرها.
خامسا: من القراءة التقنية إلى القراءة الوجودية – الانتقال المطلوب
ما الذي يعنيه عملياً أن تكون قراءةُ الباحث المسلم قراءةً باسم ربه؟ هذا السؤال التطبيقي لا بد منه حتى لا يظل الكلام في منطقة التأسيس النظري دون أن يُترجَم إلى معيار يمكن التعامل معه.
القراءة باسم الرب – بمعناها الوجودي لا الشعائري فحسب – تعني في سياق البحث المعاصر:
أن يكون الباحث واعياً بموقفه الأنطولوجي قبل أن يبدأ بحثه: واعياً بأنه مخلوق يبحث في مخلوق بإذن الخالق ولخدمة الإنسان المكرّم. وهذا الوعي ليس طقساً يسبق الكتابة بل توجّه وجودي يُشكّل طبيعة السؤال المطروح وطبيعة الأداة المستخدمة وطبيعة النتيجة المُقيَّمة.
أن يفحص الباحث مفاهيمه الأساسية على ضوء ما يُؤسّسه القرآن عن الإنسان والمجتمع والتاريخ: حين يستخدم مفهوم “الفرد” يتساءل هل الفرد في الأفق القرآني هو ذات الكائن المكتفي بنفسه الذي تفترضه الليبرالية السياسية؟ حين يستخدم مفهوم “التقدم” يتساءل هل التقدم مسار خطي نحو غاية عقلانية أم هو تحقق متجدد لشروط الاستخلاف الكريم؟ حين يستخدم مفهوم “الفاعلية” يتساءل هل الفاعلية سيطرة وقدرة أم هي استخدام حكيم للقدرة في سياق مسؤولية أمام الله والناس؟
أن يسأل الباحث عن مآل معرفته: ليس فقط عن صحتها الإجرائية بل عن أثرها في الإنسان الذي يبحث فيه أو معه. وهذا السؤال هو ما يُميّز البحث الذي يُنتج معرفة عن البحث الذي يُنتج حكمة: الأول يصف ويُحلل، والثاني يصف ويُحلل ويتساءل دائماً عمّا ينبغي.
خلاصته؛ الأمر بين اللحظية والتأسيسية
﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾.
هذا الأمر نزل في لحظة تاريخية محددة لكنه ليس أسير تلك اللحظة. إنه أمر يتجدد في كل لحظة يجلس فيها باحث إلى مكتبه، ويتأمل إشكاليته، ويُصيغ سؤاله. والسؤال هو: هل يقرأ باسم ربه أم باسم غيره؟
القراءة باسم الرب لا تعني أن الباحث يُلصق آيةً بكل فقرة يكتبها، ولا أن يرفض كل مفهوم لم يرد في القرآن. تعني أن الأفق الذي ينظر منه موصول بالرؤية التي يُؤسّسها القرآن عن الإنسان والوجود والمعرفة والغاية. وهذا الأفق الموصول لا يُضيّق المعرفة بل يُعطيها وجهتها، ولا يُقيّد البحث بل يُحرّره من تبعية الحوافز الآنية ويردّه إلى مسؤوليته الأعمق.
والباحث الذي يُدرك هذا لا يحتاج إلى أن يُعيد تعليم نفسه من الصفر – كل ما تعلّمه يبقى، كل أداة اكتسبها تبقى – لكنه يحتاج إلى شيء أصعب وأثمن: أن يُعيد تعريف علاقته بما تعلّمه. أن ينتقل من الباحث الذي يملك المعرفة إلى الباحث الذي يستأمن عليها، ومن الذي يجيب على أسئلة الحقل إلى الذي يُعيد طرح السؤال الأصيل، ومن الذي يُنتج لأجل الاعتراف إلى الذي يُنتج أداءً للشهادة.
وهذا هو بالضبط معنى أن تقرأ باسم ربك: أن تعرف من أين يبدأ علمك، وإلى أين يتجه، ولمن يُؤدَّى.
تُعالج المقالة السابعة الوجه المقابل لهذا التأسيس: القرآن حين يحضر في التلاوة والذاكرة والطقوس لكنه يغيب عن صناعة السؤال والمنهج والرؤية – معنى الإزاحة في تجلياتها الأكثر التباساً وخفاءً.
المراجع
أولاً: المصادر العربية والإسلامية الكلاسيكية
- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (ت 808هـ/1967). مقدمة ابن خلدون. تحقيق: علي عبد الواحد وافي. دار نهضة مصر.
- ابن رشد، محمد بن أحمد. (ت 595هـ/1998). فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال. تحقيق: محمد عمارة. دار المعارف، القاهرة. (ص22-28).
- ابن عاشور، محمد الطاهر. (ت 1393هـ/1984). التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر، تونس. (30/400-415).
- ابن فارس، أحمد. (ت 395هـ/1979). مقاييس اللغة. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. دار الفكر، بيروت. (مادة: علق، 4/126-127).
- ابن كثير، إسماعيل بن عمر. (ت 774هـ/1999). تفسير القرآن العظيم. دار طيبة للنشر. (4/531).
- أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف. (ت 745هـ/1420هـ). البحر المحيط في التفسير. تحقيق: صدقي محمد جميل. دار الفكر، بيروت. (10/506).
- الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد. (ت 502هـ/1412هـ). المفردات في غريب القرآن. تحقيق: صفوان عدنان الداودي. دار القلم، دمشق. (مادة: قرأ؛ مادة: علق، ص585-586).
- الزمخشري، محمود بن عمر. (ت 538هـ/1407هـ). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. دار الكتاب العربي، بيروت. (4/773).
- الشاطبي، إبراهيم بن موسى. (ت 790هـ/2003). الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: مشهور حسن آل سلمان. دار ابن عفان، الخبر. (3/349؛ 3/386؛ 4/194).
- الطبري، محمد بن جرير. (ت 310هـ/2000). جامع البيان عن تأويل آي القرآن. تحقيق: أحمد محمد شاكر. مؤسسة الرسالة. (24/468-469).
- الغزالي، أبو حامد محمد. (ت 505هـ/2004). إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت.
- الفخر الرازي، محمد بن عمر. (ت 606هـ/1420هـ). مفاتيح الغيب (التفسير الكبير). دار إحياء التراث العربي، بيروت. (32/309-315).
ثانياً: المصادر العربية المعاصرة
- طه عبد الرحمن. (2000). العمل الديني وتجديد العقل. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
- طه عبد الرحمن. (2006). روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
- طه عبد الرحمن. (2012). روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء. (ص147-153؛ ص198).
ثالثاً: المصادر الأجنبية
- Arkoun, M. (1994). Rethinking Islam: Common Questions, Uncommon Answers. Westview Press.
- Arkoun, M. (2002). The Unthought in Contemporary Islamic Thought. Saqi Books & The Institute of Ismaili Studies. (p. 34).
- Foucault, M. (1980). Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings 1972–1977. Ed. C. Gordon. Pantheon Books.
- Gadamer, H.-G. (1960/2004). Truth and Method. Trans. J. Weinsheimer & D. G. Marshall. Continuum.
- Horkheimer, M., & Adorno, T. W. (1947/2002). Dialectic of Enlightenment: Philosophical Fragments. Stanford University Press. (pp. 1-34).
- Nasr, S. H. (1989). Knowledge and the Sacred. State University of New York Press.
- Nietzsche, F. (1883/1969). Thus Spoke Zarathustra. Trans. R. J. Hollingdale. Penguin Books. (pp. 41-43).
- Rahman, F. (1982). Islam and Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition. University of Chicago Press.
- Sachedina, A. (2001). The Islamic Roots of Democratic Pluralism. Oxford University Press.
- Taylor, C. (2007). A Secular Age. Harvard University Press. (pp. 25-89).
- Weber, M. (1919/1946). Science as a Vocation. In H. H. Gerth & C. W. Mills (Eds.), From Max Weber: Essays in Sociology. Oxford University Press.
- Wilson, C. (1967). Introduction to the New Existentialism. Houghton Mifflin.




التعليقات