اختزال الزواج بين الخطاب الديني والتحولات الاجتماعية: قراءة نقدية في السياقين المغربي والأوروبي
كريمة العزيز
لم يعد النقاش حول الزواج، خصوصًا في أوساط بعض الشباب المتأثرين بخطابات سلفية سواء في أوروبا أو في المغرب، نقاشًا بسيطًا أو أحادي البعد، بل أصبح يطرح إشكاليات مركبة تتقاطع فيها الدين، والتربية، والتحولات الاجتماعية. إذ يلاحظ تنامي تصور يختزل الزواج في كونه مجرد إطار شرعي لإباحة العلاقة الجنسية، وكأن الغاية الأساسية منه هي “تحليل” الغريزة، لا بناء علاقة إنسانية متكاملة.
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات عميقة: هل فعلًا جاء التصور القرآني للزواج بهذا الاختزال؟ أم أن الأمر يتعلق بقراءة جزئية تغفل أبعادًا أساسية مثل السكن والمودة والرحمة التي نص عليها القرآن؟ وإذا كان الزواج مسؤولية تتطلب نضجًا نفسيًا واستعدادًا اجتماعيًا واقتصاديًا، فكيف يمكن لشباب في سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة، لم يكتمل وعيهم بعد، ولم يحققوا استقلالهم، أن يتحملوا تبعاته فقط بدافع الاستجابة لغريزة؟ وفي هذا السياق، من المهم التأكيد أن هذا الطرح لا يسعى إلى الترويج لأي نموذج بديل أو تبرير سلوك معين، بل إلى فهم الظاهرة كما هي وطرح أسئلتها كما تُعاش في الواقع.
وفي المقابل، يفرض الواقع الأوروبي نموذجًا مختلفًا للعلاقات، حيث تنتشر العلاقات الرضائية بين الشباب في إطار قانوني واجتماعي منظم، وتُعالج نتائجها—مثل الحمل—عبر مؤسسات تضمن حقوق الأفراد والأطفال. وهنا لا يتعلق السؤال بإصدار حكم أخلاقي مباشر، بقدر ما يتعلق بمحاولة الفهم: كيف تتشكل تمثلات العلاقة بين الجنس، والالتزام، والمسؤولية داخل سياقات ثقافية مختلفة؟
ثم أليس من الممكن، حتى داخل الزواج “الحلال”، أن يغيب التوافق فتقع القطيعة، وهو ما أقره القرآن نفسه من خلال تشريع الطلاق؟ ألا يدل ذلك على أن العلاقة، في جوهرها، تظل رهينة بمدى النضج والتفاهم، لا بمجرد الإطار الذي يحيط بها؟ كما يُستحضر في هذا السياق الحديث النبوي “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج”، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل الباءة تعني فقط القدرة الجسدية، أم تشمل كذلك القدرة النفسية والمادية والتربوية؟ إن اختزالها في بعدها الجنسي فقط قد يؤدي إلى قرارات متسرعة تُبنى على دافع مؤقت، لا على مشروع حياة. وفي خضم هذا التوتر بين نماذج مختلفة للفهم والممارسة، يبدو أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المفاضلة السطحية بين هذا وذاك، بل في غياب تربية متوازنة تمكّن الفرد من فهم ذاته وغرائزه ومسؤولياته.
التربية ليست مجرد نقل أوامر ونواهٍ، بل هي عملية تأطير وتوجيه تساعد الطفل على التمييز بين ما ينفعه وما يضره، وعلى بناء وعي مستقل قادر على اتخاذ قرارات ناضجة. إن فرض نمط فكري واحد، سواء كان منغلقًا أو منفلتًا، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من ازدواجية في الشخصية إلى اضطرابات في الثقة بالنفس. لذلك، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأسر اليوم، في المغرب كما في أوروبا، ليس في مراقبة السلوك فقط، بل في بناء إنسان قادر على الفهم والاختيار.
وفي هذا الإطار، لا يكون الحل في إطلاق الغرائز دون ضوابط، ولا في كبتها بشكل قد يولد اختلالات، بل في تربية متوازنة تعطي للإنسان أدوات الفهم، وحدود المسؤولية، وإمكانية اتخاذ القرار الواعي. وهنا يظل السؤال مفتوحًا للنقاش: هل نحتاج إلى مزيد من القوانين التي تضبط السلوك، أم إلى تربية تعيد للإنسان قدرته على التوازن بين رغباته وقيمه؟
التعليقات