إيران : حين ينهار قناع الدولة وتنكشف صراعات القوى داخل النظام
علي البلوي
ما يجري اليوم في كواليس طهران، وما تسرب من كواليس مفاوضات “إسلام آباد” المتعثرة، ليس مجرد تعقيد تفاوضي بالمعنى الدبلوماسي، بل هو إعلان رسمي عن “انكشاف اللعبة” الإيرانية وسقوط استراتيجية توزيع الأدوار التي صمدت لعقود، حيث لم يعد هناك متسع للمناورات في ظل دمار اقتصادي هائل قدرته الحكومة بنحو 300 مليار دولار.
إن المشهد الحالي يؤكد أن الأزمة الحقيقية انتقلت إلى النواة الصلبة للنظام، حيث تحولت الدولة إلى ساحة تصفية حسابات بين “مثلث القوة” والجنرالات الذين باتوا يرون أنفسهم نظراء للقيادة لا مرؤوسين لها، وبين بقايا واجهة مدنية تكنوقراطية عاجزة يمثلها بزشكيان وعراقجي.
إن استقالة قاليباف (الشكلية) وبروز حشود الحرس الثوري في الشوارع لتخوين رفاق الأمس بالاسم، تشير إلى أن الحرس الثوري بات يتصرف كـ “عصابة كبرى” تحاول ابتلاع ما تبقى من هيكل الدولة لملء فراغ السلطة الناتج عن غياب القيادة المركزية الفاعلة وعجز خليفة المرشد عن فرض سلطته في “غابة من القوة” تشبه فوضى عام 1979.
لقد فعل الحصار والحرب فعلهما في تفتيت المؤسسة الأمنية، حيث يندفع الجنرالات نحو خيارات انتحارية مثل إغلاق المضيق واستهداف المصالح الحيوية هرباً من استحقاقات الاستسلام المذل، ضاربين عرض الحائط بتحذيرات الجناح “القومي” حول الانتحار الاقتصادي وتدمير صناعة النفط بالكامل نتيجة سوء التخزين وتوقف الضخ.
هذا التخبط الداخلي، الذي جعل الوسطاء في إسلام آباد يقضون وقتهم في التحكيم بين أعضاء الوفد الإيراني أنفسهم، منح الإدارة الأمريكية الذريعة الكاملة لإنهاء الهدنة وتهيئة الرأي العام لقصف مراكز القرار، تحت سردية أن “إيران بلا رأس” ولا يوجد شريك حقيقي للتفاوض معه.
إن إيران اليوم تقف عارية من أدوات المناورة، محاصرة بعصاباتها الداخلية التي تقتات على جثتها، ومواجهة بفيزياء الواقع التي لا تعترف بالشعارات الثورية؛ فبينما يصر الجنرالات على المضي في المواجهة، تئن المنشآت المتهالكة تحت وطأة الانهيار، مما يجعل “الانفجار من الداخل” أو “القصف من الخارج” سيناريوهين يتسابقان إلى نقطة النهاية في بلد فقد بوصلته ولم يعد يملك ترف الوقت للعب لعبة “المتشددين والإصلاحيين” المكشوفة.
التعليقات