إصلاح المجال الصوفي في عهد مولانا أمير المؤمنين: المنجزات والتحديات المتبقية

حمزة الحساني: باحث في الفكر الإسلامي وحوار الأديان
ملخص البحث
شهد المغرب منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999 إصلاحات هيكلية عميقة في الحقل الديني، كان من أبرز محاورها إعادة هيكلة المجال الصوفي والتزكوي باعتباره مكونًا جوهريًا من مكونات الهوية الدينية المغربية القائمة على ثوابت العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السُّنِّي الجُنيدي، يهدف هذا المقال إلى رصد أبرز مظاهر هذا الإصلاح، وتحليل سياقاته ومرجعياته، ثم الوقوف عند الإشكالات والنقاط التي لا تزال تستدعي المعالجة والتطوير.
الكلمات المفتاحية: التصوف المغربي، الإصلاح الديني، التزكية، الزوايا، الطرق الصوفية، السياسة الدينية، محمد السادس.
المقدمة
يُعَدُّ التصوف في المغرب ظاهرة حضارية ودينية واجتماعية متجذرة في التاريخ المغربي، إذ شكّلت الزوايا والطرق الصوفية عبر القرون مؤسسات للتربية الروحية والتماسك الاجتماعي والوساطة السياسية، فضلاً عن دورها في نشر الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء، غير أن هذا المجال شهد تراجعًا ملحوظًا خلال النصف الثاني من القرن العشرين لأسباب متعددة، منها: صعود التيارات السلفية الوهابية، وتراجع الاهتمام الرسمي، وتحول بعض الزوايا إلى بنيات طقوسية مُفرَغة من مضمونها التربوي والعلمي.
جاءت الإصلاحات التي أطلقها الملك محمد السادس في سياق ما بعد أحداث 16 مايو 2003 الإرهابية بالدار البيضاء، التي كشفت عن مخاطر التطرف الديني وضرورة استعادة الدولة لسيادتها على الحقل الديني وتحصين الثوابت المذهبية والروحية للأمة المغربية، إلا أن جذور هذا الإصلاح تعود في الحقيقة إلى توجهات سابقة لعام 2003، ارتبطت برؤية ملكية شاملة لتجديد الشأن الديني.
المبحث الأول: السياق العام لإصلاح الحقل الديني في المغرب
المطلب الأول: المرجعية الدستورية والمؤسسية
يستند إصلاح المجال الصوفي والتزكوي إلى مرجعية دستورية تتمثل في مؤسسة إمارة المؤمنين التي يتبوأها الملك بمقتضى الفصل 41 من دستور 2011، والتي تخوله صلاحية السهر على حماية حمى الدين وضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية، وقد شكّلت هذه المؤسسة الإطار الشرعي والمؤسسي لجميع الإصلاحات التي مسّت الحقل الديني بمختلف أبعاده: العقدي والفقهي والصوفي والتربوي.
كما أن إعادة هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وإحداث المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية بموجب ظهير 2004، وفّرت البنية المؤسسية اللازمة لتأطير الحقل الصوفي ضمن منظومة دينية متكاملة.
المطلب الثاني: السياق الأمني والفكري
أفرزت أحداث 16 مايو 2003 وعيًا حادًا بخطورة ترك الفراغ الروحي والتربوي الذي استغلته التيارات المتطرفة، فبينما كان التصوف المغربي يُقدّم تاريخيًا نموذجًا للاعتدال والتسامح والانفتاح، فإن تراجعه أتاح المجال لخطابات التشدد والغلو التي تغذّت من مرجعيات مستوردة لا تنسجم مع الخصوصية المغربية، ومن ثم، جاء الاهتمام بالتصوف جزءًا من استراتيجية أمنية-دينية شاملة تقوم على مواجهة التطرف بالعمق الروحي والتربوي لا بالمقاربة الأمنية وحدها.
المبحث الثاني: مظاهر إصلاح المجال الصوفي والتزكوي
المطلب الأول: التأطير المؤسسي والاعتراف الرسمي بالتصوف
أولاً: الميثاق العلمي وتكريس الثوابت الدينية
أقرّ الخطاب الملكي الموجه إلى المجلس العلمي الأعلى في أكتوبر 2003 بأن الثوابت الدينية المغربية تقوم على ثلاثة أركان: العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السُّنِّي كما أصّله الإمام الجُنيد البغدادي، وقد مثّل هذا الإعلان نقطة تحول كبرى، إذ ارتقى بالتصوف من مجرد ممارسة شعبية أو ظاهرة تاريخية إلى ثابت ديني رسمي محمي مؤسسيًا ودستوريًا.
ثانيًا: إحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة
أُسِّست هذه المؤسسة بموجب ظهير ملكي سنة 2015، وكان من أبرز أهدافها تعزيز الروابط الدينية والروحية بين المغرب والبلدان الإفريقية التي تشترك معه في التراث الصوفي، لا سيما الطرق التيجانية والقادرية والشاذلية، وقد أسهمت هذه المؤسسة في إعادة إحياء الدور التاريخي للتصوف المغربي كجسر حضاري بين المغرب وعمقه الإفريقي.
ثالثًا: تنظيم المواسم والملتقيات الصوفية
شهد المغرب في العقدين الأخيرين تنظيمًا مكثفًا لملتقيات ومهرجانات ذات بعد صوفي، من أبرزها:
مهرجان فاس للثقافة الصوفية الذي انطلق منذ 2007 ويستقطب باحثين ومتصوفة من مختلف أنحاء العالم.
ملتقيات الطريقة التيجانية في فاس التي تجمع أتباع هذه الطريقة من عشرات الدول الإفريقية.
المواسم الدينية المنظمة للزوايا الكبرى كالزاوية البودشيشية والزاوية الدرقاوية والناصرية وغيرها.
المطلب الثاني: إصلاح التكوين الديني وإدماج البعد التزكوي
أولاً: معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات
أُحدث هذا المعهد سنة 2015 بهدف تكوين أئمة ومرشدين مؤهلين علميًا وروحيًا، واللافت أن المنهج التكويني في هذا المعهد يتضمن بُعدًا تزكويًا واضحًا يقوم على:
تدريس علم التصوف ومقاصده.
الاهتمام بتزكية النفس وتربية السلوك لدى الأئمة والمرشدين.
التعريف بالتراث الصوفي المغربي وبأعلامه الكبار كأبي الحسن الشاذلي وأحمد زروق والجزولي وأحمد التيجاني.
تكوين مرشدين ومرشدات من دول إفريقية وأوروبية على النموذج المغربي المتكامل.
ثانيًا: إدراج التصوف في المناهج التعليمية الدينية
تم إدماج مواد التصوف والتزكية ضمن مقررات التعليم العتيق ومؤسسات التكوين الديني، مع التركيز على التصوف السلوكي الأخلاقي بوصفه بعدًا عمليًا تربويًا وليس مجرد معرفة نظرية.
المطلب الثالث: دعم الزوايا والطرق الصوفية وتأهيلها
أولاً: ترميم الزوايا والأضرحة وتأهيلها
خصص المغرب اعتمادات مالية كبيرة لترميم الزوايا والمزارات والأضرحة ذات القيمة التاريخية والروحية، وذلك ضمن رؤية تقوم على الحفاظ على التراث الروحي المادي بوصفه جزءًا من الذاكرة الحضارية المغربية، ومن أبرز المشاريع في هذا الإطار: ترميم ضريح مولاي إدريس بفاس، والاعتناء بالمواقع الصوفية الكبرى.
ثانيًا: الاعتراف بالأدوار الاجتماعية والتربوية للزوايا
أعادت الدولة الاعتبار للدور الاجتماعي للزوايا، فأصبحت بعض الزوايا الكبرى – كالزاوية البودشيشية – فاعلة في مجالات محو الأمية والتأطير الديني للشباب والعمل الاجتماعي التضامني، وذلك بتنسيق مع المؤسسات الرسمية.
ثالثًا: تنظيم العلاقة بين الدولة والزوايا
سعت الدولة إلى إرساء علاقة متوازنة مع الزوايا تقوم على مبدأ التكامل لا التنافس، حيث تُشرَك الزوايا في التأطير الديني والروحي مع خضوعها للضوابط المؤسسية التي تحول دون انزلاق بعضها نحو الانحرافات العقدية أو الاستغلال السياسي.
المطلب الرابع: الدبلوماسية الروحية
وظّف المغرب تراثه الصوفي في بناء دبلوماسية روحية فاعلة، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تنتشر الطرق الصوفية المغربية الأصل (التيجانية والقادرية) بين ملايين المسلمين، وقد تجلى ذلك في:
استقبال شيوخ الطرق الصوفية الإفريقية وتنظيم لقاءات دورية معهم.
تكوين الأئمة الأفارقة في المغرب وفق النموذج المغربي الجامع بين الفقه والتصوف.
فتح فروع لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في عشرات الدول.
إرسال أئمة ومقرئين مغاربة إلى دول إفريقية وأوروبية خلال شهر رمضان.
المبحث الثالث: الإشكالات والنقاط التي لا تزال تحتاج إلى المعالجة
على الرغم من المنجزات الكبيرة التي تحققت، فإن ثمة تحديات بنيوية ووظيفية لا تزال تواجه إصلاح المجال الصوفي والتزكوي في المغرب، يمكن إجمالها فيما يلي:
المطلب الأول: إشكالات ذات طابع علمي ومعرفي
أولاً: ضعف الإنتاج الأكاديمي والبحثي في التصوف
لا يزال البحث الأكاديمي في التصوف المغربي دون المستوى المطلوب، سواء من حيث الكمّ أو النوع، فكثير من المخطوطات الصوفية المغربية لم تُحقَّق بعد، والدراسات المقارنة بين المدارس الصوفية المغربية والمشرقية والإفريقية تبقى نادرة، كما أن الجامعات المغربية لا تُولي التصوف ما يستحقه من اهتمام ضمن برامج الدراسات الإسلامية، إذ يظل حضوره هامشيًا مقارنة بمباحث الفقه والأصول والعقيدة.
ما يحتاج إلى علاج:
إنشاء مراكز بحثية متخصصة في الدراسات الصوفية المغربية.
تحقيق التراث الصوفي المخطوط ونشره.
تخصيص شُعَب أو ماسترات جامعية في التصوف والتزكية.
تشجيع الأبحاث الميدانية حول الواقع الحالي للزوايا والطرق الصوفية.
ثانيًا: غياب تجديد الخطاب الصوفي
يعاني الخطاب الصوفي المعاصر في المغرب من جمود نسبي، إذ يظل في كثير من الأحيان أسير مقولات ومصطلحات تراثية قد لا تجد صدى لدى الأجيال الجديدة، فالتحدي ليس في الحفاظ على التراث الصوفي فحسب، بل في تجديد أساليب عرضه ومنهجيات تبليغه بما يتلاءم مع ثقافة العصر ولغته ووسائط تواصله، دون الإخلال بجوهره الروحي والأخلاقي.
ما يحتاج إلى علاج:
صياغة خطاب صوفي معاصر يخاطب الشباب بلغة يفهمونها.
الانفتاح على الوسائط الرقمية والمنصات الإلكترونية لنشر الثقافة الصوفية.
الحوار مع العلوم الإنسانية المعاصرة (علم النفس، علم الاجتماع، الفلسفة) لإبراز راهنية المقاربة التزكوية.
ثالثًا: الخلط بين التصوف العلمي والممارسات الشعبية المنحرفة
لا تزال هناك فجوة واسعة بين التصوف العلمي السلوكي كما نظّر له أعلام كالجنيد والغزالي وابن عطاء الله وزروق، وبين الممارسات الشعبية التي تختلط فيها الشعوذة بالتبرك، والخرافة بالكرامة، وقد ظلت هذه الممارسات تُلصَق بالتصوف زورًا، مما يُنفّر منه شريحة واسعة من المتعلمين والشباب.
ما يحتاج إلى علاج:
وضع ميثاق ديني واضح يُميّز بين التصوف السُّنِّي الأصيل والممارسات الدخيلة.
تأهيل شيوخ الزوايا ومقدّميها علميًا ومنهجيًا.
محاربة ظواهر الشعوذة والدجل التي تتخفى وراء القناع الصوفي.
المطلب الثاني: إشكالات ذات طابع مؤسسي وتنظيمي
أولاً: غياب إطار قانوني واضح ومتكامل للزوايا
على الرغم من الاهتمام الرسمي بالزوايا، فإنها لا تزال تفتقر إلى إطار قانوني شامل ينظم عملها وحوكمتها ومواردها وأنشطتها، فكثير من الزوايا تعمل دون هيكلة إدارية واضحة، ويختلط فيها الأمر بين المشيخة الروحية والتدبير المالي والتأطير الديني، مما يُتيح المجال للاستغلال أو سوء التدبير.
ما يحتاج إلى علاج:
إصدار قانون تنظيمي للزوايا والطرق الصوفية يُحدد شروط التأسيس والنشاط والمراقبة.
وضع آليات شفافة لتدبير الموارد المالية للزوايا (الأوقاف، الهبات، النذور).
إخضاع الزوايا لمعايير الحوكمة الرشيدة مع احترام خصوصيتها الروحية.
ثانيًا: التفاوت الكبير بين الزوايا
يُلاحَظ تفاوت صارخ بين الزوايا المغربية من حيث التأطير والتكوين والأنشطة، فبينما تحظى بعض الزوايا الكبرى (كالبودشيشية والتيجانية والناصرية) بدعم مؤسسي وإشعاع وطني ودولي، تعيش زوايا أخرى – لا سيما في المناطق القروية والنائية – حالة من التهميش والضعف التنظيمي والعلمي.
ما يحتاج إلى علاج:
وضع خريطة وطنية شاملة للزوايا والطرق الصوفية.
دعم الزوايا الصغرى والمهمشة وتأهيل أطرها.
إحداث آلية للتنسيق بين الزوايا والمجالس العلمية المحلية.
ثالثًا: إشكالية الخلافة والتوريث في مشيخة الزوايا
تعاني بعض الزوايا من أزمات داخلية مرتبطة بمسألة الخلافة في المشيخة، حيث تتحول في بعض الأحيان إلى نزاعات عائلية أو صراعات على النفوذ تُضعف المؤسسة الروحية وتُشتّت أتباعها، وهذه الإشكالية ذات حساسية بالغة لأنها تمس جوهر العلاقة بين البعد الروحي والبعد البشري في التصوف.
ما يحتاج إلى علاج:
التفكير في آليات مرنة لتدبير مسألة الخلافة تجمع بين الشرعية الروحية والكفاءة العلمية.
تشجيع المؤسسية في تدبير الزوايا بدل الشخصنة المطلقة.
المطلب الثالث: إشكالات ذات طابع اجتماعي وتربوي
أولاً: ضعف الوصول إلى الشباب
على الرغم من الجهود المبذولة، لا يزال التصوف في المغرب يُنظر إليه من قبل شريحة واسعة من الشباب باعتباره ظاهرة تقليدية لا تتلاءم مع تطلعاتهم، وقد استغلت تيارات أخرى – سلفية أو إسلاموية أو حتى علمانية – هذا الفراغ لاستقطاب الشباب بخطابات أكثر حداثة في شكلها وإن كانت أقل عمقًا في مضمونها.
ما يحتاج إلى علاج:
تطوير برامج تربوية صوفية موجهة خصيصًا للشباب.
استثمار الفنون الإسلامية (الإنشاد، الخط، الموسيقى الروحية) كمداخل لتقريب الشباب من التجربة الصوفية.
إنشاء منصات رقمية جذابة تُقدم المحتوى الصوفي بأساليب عصرية.
فتح نقاشات حول قضايا معاصرة (الصحة النفسية، البحث عن المعنى، التوازن الروحي) من منظور صوفي.
ثانيًا: تهميش دور المرأة في المجال الصوفي
رغم الحضور التاريخي للمرأة في التصوف المغربي (من أمثال لالة عزيزة السكسيوية وغيرها)، فإن واقع المرأة في الزوايا المعاصرة يتسم بالتهميش والإقصاء من مراكز القيادة والتأطير الروحي، وهذا الوضع لا ينسجم مع التوجه العام للإصلاح الديني في المغرب الذي يُولي المرأة مكانة متقدمة، كما يتجلى في مؤسسة المرشدات الدينيات.
ما يحتاج إلى علاج:
تعزيز حضور المرأة في الأنشطة الصوفية والتزكوية.
توثيق الإسهامات النسائية في تاريخ التصوف المغربي.
تكوين مرشدات متخصصات في التزكية والسلوك.
ثالثًا: الانفصال بين البعد الاجتماعي والبعد الروحي
كانت الزوايا تاريخيًا مؤسسات جامعة تُقدم خدمات اجتماعية (إيواء، إطعام، تعليم، تطبيب) إلى جانب وظيفتها الروحية والتربوية، غير أن كثيرًا من الزوايا المعاصرة فقدت هذا البعد الاجتماعي التضامني وتقلص دورها في الوساطة الاجتماعية وتدبير النزاعات، مما أضعف حضورها في النسيج المجتمعي.
ما يحتاج إلى علاج:
تشجيع الزوايا على الانخراط في العمل التنموي والتضامني المحلي.
ربط الوظيفة الروحية بالمسؤولية الاجتماعية.
استثمار رأس المال الاجتماعي للزوايا في مشاريع التنمية المحلية.
المطلب الرابع: إشكالات ذات طابع فكري وعقدي
أولاً: استمرار التوتر بين التصوف والسلفية
لم تنتهِ بعد حالة التوتر الفكري بين التيار الصوفي والتيار السلفي داخل المجتمع المغربي، وإن كانت حدتها قد خفّت مقارنة بالعقود السابقة، ولا يزال بعض الخطاب السلفي المتشدد يُشكّك في مشروعية التصوف ويعتبره بدعة، بينما يميل بعض الخطاب الصوفي إلى الانغلاق ورفض أي نقد.
ما يحتاج إلى علاج:
تعزيز الحوار الداخلي بين المكونات الدينية المغربية.
إنتاج خطاب علمي متوازن يُبرز الأسس الشرعية للتصوف السني دون إقصاء للآخر.
تجاوز منطق الصراع نحو منطق التكامل بين الفقه والتصوف والعقيدة.
ثانيًا: غياب نقد ذاتي داخل المؤسسة الصوفية
تفتقر كثير من الزوايا والطرق الصوفية إلى ممارسة النقد الذاتي والمراجعة الداخلية، مما يؤدي إلى تراكم الاختلالات دون معالجتها، فالتقديس المبالغ فيه لشخص الشيخ، وغياب ثقافة المحاسبة المؤسسية، وضعف الشفافية، كلها عوامل تحول دون التجديد الحقيقي من الداخل.
ما يحتاج إلى علاج:
تشجيع ثقافة النقد البنّاء داخل الزوايا.
الفصل بين التوقير الروحي للشيخ وبين التدبير المؤسسي الذي يخضع للمساءلة.
فتح نقاشات داخلية حول تحديات التجديد والإصلاح.
ثالثًا: إشكالية العلاقة بين السياسي والصوفي
تظل العلاقة بين الزوايا الصوفية والسلطة السياسية مسألة حساسة ومعقدة، فمن جهة، تسعى الدولة إلى توظيف الرأسمال الرمزي للزوايا في تعزيز الاستقرار والتماسك الاجتماعي، ومن جهة أخرى، قد يؤدي هذا التوظيف إلى إفقاد الزوايا استقلاليتها ومصداقيتها الروحية لدى جمهورها، كما أن بعض الزوايا قد تميل إلى استغلال قربها من السلطة لتحقيق مكاسب مادية أو نفوذ اجتماعي، مما يُخِلّ بوظيفتها الأصلية.
ما يحتاج إلى علاج:
وضع ضوابط واضحة للعلاقة بين الزوايا والفاعل السياسي.
حماية الاستقلالية الروحية للزوايا مع ضمان انسجامها مع الثوابت الوطنية.
منع التوظيف الانتخابي أو الحزبي للزوايا.
المطلب الخامس: إشكالات ذات طابع ثقافي وتراثي
أولاً: ضعف التوثيق والأرشفة
يعاني التراث الصوفي المغربي من ضعف كبير في التوثيق والأرشفة، سواء تعلق الأمر بالمخطوطات والمؤلفات، أو بالتراث الشفوي (السماعات، الأذكار، الأوراد، الشهادات)، أو بالتراث المعماري والفني المرتبط بالزوايا، وهذا الضعف يُهدد بضياع جزء مهم من الذاكرة الروحية المغربية.
ما يحتاج إلى علاج:
إطلاق مشروع وطني لتوثيق التراث الصوفي المغربي بجميع أبعاده.
رقمنة المخطوطات الصوفية وإتاحتها للباحثين.
تسجيل التراث الصوفي المغربي ضمن التراث الثقافي اللامادي الوطني والدولي.
ثانيًا: ضعف الإشعاع الدولي للنموذج الصوفي المغربي
رغم الدبلوماسية الروحية النشطة، لا يزال النموذج الصوفي المغربي أقل حضورًا في الساحة الفكرية الدولية مقارنة بنماذج أخرى (كالنموذج التركي مثلاً المرتبط بالرومي/المولوية)، وهذا الضعف يعود جزئيًا إلى قلة الترجمة وضعف التواصل بلغات أجنبية وغياب استراتيجية إعلامية دولية فعالة.
ما يحتاج إلى علاج:
ترجمة الأعمال الصوفية المغربية الكبرى إلى اللغات العالمية.
إنتاج أفلام وثائقية ومحتوى رقمي عالي الجودة عن التصوف المغربي.
المشاركة الفعالة في المنتديات الدولية المعنية بالحوار الديني والروحي.
تقديم التصوف المغربي كمساهمة في النقاش العالمي حول السلام والتعايش ومكافحة التطرف.
المبحث الرابع: نحو رؤية متكاملة لتطوير المجال الصوفي والتزكوي
بناءً على ما تقدم من تحليل للمنجزات والإشكالات، يمكن اقتراح رؤية متكاملة لتطوير المجال الصوفي والتزكوي في المغرب تقوم على المحاور التالية:
المحور الأول: البناء المؤسسي
إنشاء مجلس أعلى للتصوف والتزكية يضم علماء ومتصوفة ومفكرين وباحثين، يكون مرجعًا علميًا وتنظيميًا للمجال الصوفي.
إحداث مرصد وطني للزوايا والطرق الصوفية يتولى الرصد والتتبع والتقييم.
المحور الثاني: التكوين والبحث العلمي
إنشاء معهد متخصص في علوم التصوف والتزكية يجمع بين التكوين الأكاديمي والتربية الروحية.
تشجيع البحث العلمي في التصوف من خلال منح دراسية وجوائز ومشاريع بحثية.
إصدار مجلة علمية محكّمة متخصصة في الدراسات الصوفية.
المحور الثالث: التجديد والانفتاح
تجديد الخطاب الصوفي بما يستجيب لتحديات العصر (الأزمة الروحية، فقدان المعنى، الصحة النفسية، العولمة).
الحوار مع التيارات الفكرية المختلفة داخل المغرب وخارجه.
الانفتاح على التجارب الصوفية في العالم الإسلامي والاستفادة منها.
المحور الرابع: الإشعاع الدولي
تطوير استراتيجية وطنية للدبلوماسية الروحية تُوظف التصوف المغربي كقوة ناعمة.
تعزيز الشراكات مع المراكز البحثية والجامعات الدولية في مجال الدراسات الصوفية.
تقديم التصوف المغربي كنموذج للاعتدال في المحافل الدولية.
خاتمة
يتبيّن مما سبق أن إصلاح المجال الصوفي والتزكوي في عهد جلالة الملك محمد السادس يُمثل مشروعًا طموحًا ومتعدد الأبعاد، استطاع أن يُحقق منجزات كبيرة في مجالات التأطير المؤسسي والاعتراف الرسمي وتكوين الأطر الدينية وتوظيف التصوف في الدبلوماسية الروحية، غير أن هذا المشروع لا يزال يواجه تحديات جوهرية تتعلق بتجديد الخطاب الصوفي، وتأهيل الزوايا، والوصول إلى الشباب، ومحاربة الممارسات المنحرفة، وبناء مؤسسات بحثية وتكوينية قوية، وإرساء حوكمة رشيدة داخل المؤسسة الصوفية.
إن نجاح هذا الإصلاح في مراحله القادمة رهين بالقدرة على تحقيق التوازن بين عدة ثنائيات دقيقة: الأصالة والتجديد، الروحانية والمؤسسية، الاستقلالية والانسجام مع الثوابت الوطنية، الخصوصية المغربية والانفتاح الكوني، وهو توازن لا يمكن تحقيقه إلا من خلال مقاربة تشاركية تُشرك العلماء والمتصوفة والباحثين والمجتمع المدني في بناء نموذج صوفي مغربي يجمع بين عمق التراث وحيوية الحاضر واستشراف المستقبل.
ــــــــــــــــــــــــ
قائمة المصادر والمراجع
1 ـ الكتاني، محمد بن جعفر، سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أُقبر من العلماء والصلحاء بفاس، الدار البيضاء: دار الثقافة.
2 ـ التادلي، ابن الزيات، التشوف إلى رجال التصوف، تحقيق أحمد التوفيق، الرباط: منشورات كلية الآداب، 1984.
3 ـ زروق، أحمد، قواعد التصوف، تحقيق محمد زهري النجار، القاهرة.
4 ـ حركات، إبراهيم، المغرب عبر التاريخ، الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة.
5 ـ المنوني، محمد، ورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين، الرباط: منشورات كلية الآداب.
6 ـ التوفيق، أحمد، التصوف والمجتمع: نماذج من القرن العاشر الهجري، الرباط.
7 ـ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تقارير حول إعادة هيكلة الحقل الديني، الرباط.
Kugle, Scott، Sufis and Saints’ Bodies: Mysticism, Corporeality, and Sacred Power in Islam، Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2007.
Cornell, Vincent، Realm of the Saint: Power and Authority in Moroccan Sufism، Austin: University of Texas Press, 1998.
Zeghal, Malika، Islamism in Morocco: Religion, Authoritarianism, and Electoral Politics، Princeton: Markus Wiener, 2008.
11 ـ الظهير الملكي المتعلق بإعادة تنظيم المجالس العلمية (2004).
12 ـ الظهير الملكي المحدث لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة (2015).
13 ـ الخطب الملكية المتعلقة بإصلاح الحقل الديني (2003-2023).




التعليقات