إسكوبار الصحراء.. إنذار سياسي

تدفع الأحكام الصادرة في ملف “إسكوبار الصحراء” إلى طرح أسئلة تتجاوز حدود الواقعة الجنائية وأسماء المتابعين والعقوبات التي نطقت بها المحكمة، ذلك أن الأمر يتعلق بقضية كشفت، بقدر كبير من الوضوح، حجم المخاطر التي تنشأ حين يتقاطع المال المشبوه مع النفوذ المحلي، وحين تتحول بعض الواجهات السياسية والرياضية والاقتصادية إلى معابر لصناعة وجاهة لا تستند دائما إلى الكفاءة أو الخدمة العامة أو النزاهة.
وتؤكد هذه القضية أن خطورة هذه الشبكات النافذة تتجلى في اقترابها من مؤسسات البلاد، وارتداء جلباب السياسة، والاحتماء بصورة المنتخب أو رجل الأعمال أو المسير الرياضي، لأن الجريمة المنظمة، في مثل هذه الحالات تبحث عن الشرعية الرمزية، والحصانة الاجتماعية، وشبكة العلاقات التي تجعل صاحب المال المشبوه يبدو فاعلا محترما داخل المجال العام.
وتكشف هذه النازلة، في عمقها السياسي، عن سؤال صناعة النخبة المحلية، وعن الكيفية التي يمكن أن تسمح بها الآلة الانتخابية أو الحزبية بصعود أشخاص لا تكفي ثروتهم، ولا حضورهم الميداني، ولا قدرتهم على التعبئة الانتخابية، لكي يكونوا مؤهلين لحمل مسؤولية عامة، فالأحزاب حين تتساهل في التزكيات، أو تحصر القوة السياسية في القدرة المالية والانتخابية، لا تصنع نخبة حقيقية، وإنما تفتح ثقبا خطيرا في جدار الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وتفرض هذه القضية على الأحزاب المغربية وقفة صادقة مع الذات، لأن المسؤولية السياسية لا تبدأ بعد صدور الأحكام، ولا تنتهي عند إعلان احترام القضاء، وإنما تقتضي بناء آليات داخلية صارمة للفرز والتدقيق والمساءلة، فلا يكفي أن يتبرأ الحزب من الأشخاص بعد سقوطهم، وإنما ينبغي أن يسأل نفسه كيف وصلوا، ومن زكاهم، ومن استفاد من نفوذهم، ومن غض الطرف عن مؤشرات الثراء السريع، أو الصعود المفاجئ، أو العلاقات الملتبسة.
وتتجاوز الخسارة، في مثل هذه الملفات، حدود الأشخاص المدانين أو المتابعين، لتمس صورة العمل السياسي نفسه، وثقة المواطنين في المنتخبين، وسمعة الأحزاب التي يفترض أن تكون مدارس للمسؤولية وخدمة الصالح العام، لا ممرات للنفوذ العابر، ولا فضاءات تسمح بتحويل المال إلى وجاهة وسلطة وحماية.
ويؤكد وصول هذا الملف إلى مرحلة الأحكام أن يد القضاء يمكن أن تطال أسماء كبيرة وواجهات متعددة، وهو أمر مهم في ترسيخ الردع وحماية هيبة القانون، إلا أن المعالجة القضائية، مهما كانت ضرورية، تأتي غالبا بعد وقوع الضرر، بينما تحتاج البلاد إلى وقاية سياسية ومؤسساتية تحول دون صناعة هذا النوع من النفوذ قبل أن يتحول إلى قوة انتخابية أو اقتصادية أو اجتماعية يصعب تفكيكها.
وتبدو الرسالة العامة للملف واضحة، وهي أن المغرب لا يستطيع أن يسمح بتطبيع العلاقة بين المال غير المشروع والعمل السياسي، ولا أن يترك أبواب التمثيل مفتوحة أمام من يحول الثروة إلى سلطة، لأن خطورة هذا المسار تكمن في قدرته على إضعاف معنى الثقة العامة وتشويه وظيفة السياسة في المجتمع.
إن محاربة الجريمة المنظمة، في جوهرها العميق، تبدأ من الأحزاب وصناديق الاقتراع ومكاتب التزكية ومنظومات مراقبة الثروة، قبل أن تصل إلى المحاكم، لأن أخطر ما يمكن أن تفعله شبكات الريع والتهريب هو أن تجعل نفسها جزء من المشهد العادي، وأن تختبئ خلف صور السياسي والفاعل الاقتصادي والمسير الرياضي، إلى أن تصبح محاكمتها، في النهاية، محاكمة لمرحلة كاملة من التساهل مع المال المشبوه داخل الحياة العامة.




التعليقات