إسبانيا تسعى إلى “إعادة تدويل الملفات السيادية المغربية”

11 سبتمبر 2026

محمد خياري

تراكم إسبانيا أدوات ضغط متنوعة ضد المغرب، مما قد يُفرز في النهاية واقعاً استراتيجياً جديداً يُسمى «إعادة تدويل الملفات السيادية المغربية»؛ ويقصد بذلك نقل عدد من القضايا التي يعتبرها المغرب شأناً داخلياً أو سيادياً إلى الفضاءين الأوروبي والدولي، مثل ملف الصحراء، وسبتة ومليلية، الهجرة، حقوق الإنسان، الهوية والجنسية، والرموز الوطنية وصورة المغرب داخل المؤسسات الدولية.

إنها حرب هجينة لا تعني بالضرورة مواجهة عسكرية، بل تعتمد على استخدام متزامن لأدوات قانونية، إعلامية، دبلوماسية، اقتصادية وسيبرانية، فضلاً عن توظيف ملف الهجرة والضغط السياسي لتحقيق مكاسب معينة.

تقود هذه الحرب أوساط إسبانية مختلفة، رسمية وغير رسمية، تدعي دون دليل أن المغرب هو من بدأها بعدما منح الضوء الأخضر لآلاف المهاجرين للتوجه نحو سبتة ومليلية. وتعد مسألة منح الجنسية الإسبانية للصحراويين من أخطر الأدوات المستعملة حتى الآن؛ فإذا أصبح عشرات الآلاف من الصحراويين يتمتعون بوضع قانوني إسباني موحد باعتبارهم وُلدوا في إقليم كان يخضع للإدارة الإسبانية، فإن إسبانيا تكون بذلك قد ساهمت في إعادة بناء «جماعة قانونية-تاريخية صحراوية» مرتبطة بها.

وهنا تتحول المسألة من مجرد «منح جنسية لأفراد» إلى احتمال تشكيل «رابطة قانونية وسياسية بين إسبانيا وجزء من الهوية الصحراوية»، وهو ما قد يؤثر على الصراع من بوابة إعادة تعريف «من هو الصحراوي» ومن يملك حق تمثيل السكان، حتى وإن لم يتضمن القانون تأثيراً مباشراً على المسار الأممي القانوني للقضية.

من هنا، يُعد مشروع التجنيس الإسباني للصحراويين خطراً من الناحية السياسية أكثر منه من الناحية القانونية المباشرة؛ إذ قد يغدو أداة لإعادة إنتاج «المسألة الصحراوية» داخل الفضاء القانوني الأوروبي، وليس فقط داخل منظومة الأمم المتحدة.

على الأرجح، لا يرغب المغرب في نسف علاقاته مع إسبانيا؛ والسبب بسيط يتلخص في أن إسبانيا ليست مجرد دولة أوروبية عادية بالنسبة إليه، بل تجمع بينهما مصالح متقاطعة في التجارة، الاستثمار، الهجرة، مكافحة الإرهاب، التعاون الأمني والاستخباراتي، الحدود، الجالية المغربية، فضلاً عن البحر الأبيض المتوسط ومشروع التنظيم المشترك لكأس العالم 2030.

بناءً على ذلك، يمكن تفسير الرد المغربي بوصفه «احتواءً تصعيدياً» لا تراجعاً؛ إذ يبعث المغرب برسالة مفادها: لن نقطع العلاقات معكم، لكننا لن نقبل أن تتحول الشراكة إلى أداة للضغط علينا.

طبعاً، لا يمكن للأحداث المنفردة أن تحدد سقف الصبر المغربي، لكن هذا الصبر سينفد حتماً متى انتقلت التصرفات الإسبانية من حدود التوتر السياسي إلى المساس المباشر بالتوازنات الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، يمكن تصور ثلاثة مستويات للتصعيد:

▪ المستوى الأول (قابل للاحتواء): يشمل الانتقادات الإعلامية، التصريحات البرلمانية، الحملات السياسية ومواقف الأحزاب الإسبانية. وفي هذا المستوى، سيرجح المغرب الاستمرار في سياسة الاحتواء.

▪ المستوى الثاني (إنذار استراتيجي): يتضمن التجنيس واسع النطاق، تدخل المؤسسات الإسبانية في ملف الصحراء، تقديم دعم مباشر أو غير مباشر لأطراف انفصالية، أو استغلال ملف سبتة ومليلية بشكل تصعيدي. هنا، قد يلجأ المغرب إلى تجميد بعض آليات التعاون، إعادة تقييم العلاقات، ممارسة ضغط دبلوماسي مضاد، وتدويل بعض الملفات التي تهمه، وصولاً إلى إعادة تعريف أولويات الشراكة.

▪ المستوى الثالث (الخط الأحمر): يتحقق في حال وجود عمل إسباني رسمي ومباشر يمس الوحدة الترابية للمغرب، أو يتحول إلى دعم مؤسسي لانفصال الصحراء، أو محاولة فرض أمر واقع في ملفات السيادة. عند هذه النقطة، ستتغير معادلة العلاقات المغربية-الإسبانية بشكل جذري.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

تحديات الحكومة المقبلة..

تتقدم مطالب المغاربة إلى الحكومة المقبلة واضحة ومباشرة، فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وأسعار لا تلتهم أجور الأسر، ومدرسة تؤدي دورها، ومستشفى يجد فيه المواطن العلاج حين يحتاج إليه. هذه ليست عناوين في برنامج انتخابي، إنها تفاصيل الحياة التي سيقيس الناس بها أداء الحكومة منذ أيامها الأولى. ويأتي غلاء المعيشة في مقدمة ما ينتظره الناس […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...