أين تنظيم القاعدة في الحرب الإيرانية؟
ماهر فرغلي
لأسباب كثيرة انتقل قيادات القاعدة الرئيسيين إلى إيران، في أعقاب عملية 11 سبتمبر، وهروب بن لادن إلى أبوت باد، وكان من أهمهم أبو الخير المصري، وأبو عبد الله المصري، وسيف العدل، ومنذ ذاك التاريخ، جرت أمور كثيرة في تلك العلاقة، التي كانت مبنية على المصالح وليس الأفكار، وشابها شيء من الغموض، لدرجة انتشار سردية أن طهران هي من تحرك التنظيم، وكانت الولايات المتحدة وراء تضخيم هذا الموضوع، بالرغم أنه لم يثبت أي دليل حول الأمر، سوى أنها تحتفظ ببعض القيادات الهاربة تحت الإقامة الجبرية، أو تحت تصرفها كورقة يمكن اللعب بها وقت اللزوم.
تشظي التنظيم
تشظّى كيان القاعدة عقب مقتل بن لادن، واتفق سيف العدل مع الحرس الثوري في 2002، وكان مصطفى حامد هو الرجل الذي ساهم في الوساطة مع الإيرانيين، الذين هدفوا إلى اتفاق يضمنون من خلاله توجيه عمليات القاعدة إلى أمريكا أو إلى العرب، وليس إليهم أو حلفائهم.
وبين عامي 2010 و2011، سمحت إيران لأسرة بن لادن، وعدد من قادة التنظيم ومنهم أبو الخير المصري، الرجل الثاني، بالذهاب إلى سوريا، ضمن صيغة تفاوضية قضت بتسليم التنظيم للدبلوماسي الإيراني، حشمت الله زادة (الذي اختطف في شمال باكستان شتاء 2008).
وانقسم القاعدة بعد ذلك بسنوات، على سبيل المثال تشظّى “شباب الإسلام” في الصومال، وأعلن أكثر من فرع في ليبيا حل نفسه، وتخلّت “حركة حراس الدين” رسمياً عن القاعدة، بل وقامت بحل نفسها بعد انتصار الفصائل على النظام السوري السابق.
تقول صفحة (مزمجر الشام) القريبة من القاعدة: إن سيف العدل كونه موجود بحكم “الإقامة الجبرية” في إيران فهذا يطرح إشكالية شرعية قبل كل شيء وعقبة أمام توليه زعامة التنظيم، وسيحرج تنظيم القاعدة كثيراً، وهو بحسب شهادة “أبو خالد السوري” لا يملك كاريزما وشخصية بن لادن والظواهري، ولن يستطيع إدارة شؤون التنظيم، لكن التنظيم لم يعد ذلك المركزي والقوي والمتماسك، وأصبحت قيادته رمزية فقط، بينما يتولى كل فرع للتنظيم إدارة شؤونه وتقرير استراتيجيته دون الرجوع للقيادة الأم، حيث تبقى إشكالية وجود “سيف العدل” في إيران تحت أعين السلطان الإيرانية العقبة الأبرز.
وبالاطلاع على مواقف التنظيمات السابقة سنرى أن حراس الدين ثبل الحل اتهمت هيئة تحرير الشام بالوشاية واغتيال قياداتها، ووقعت انقسامات إمارة الساحل والصحراء بسبب عدم وجود أمير ميداني موحَّد، والتنافس بين أمراء الكتائب المتعددة الولاءات، وفي فرع اليمن حدث اتهام بالجاسوسية وانشقاق أهم القيادات مثل عمار القصيمي، وعزام النجدي، وفواز القصيمي، ومصعب الشرقي، وأبي عمر النهدي، وفي فرع شبه القارة الهندية وقعت الخلافات حول بيعة طالبان والمصالحة مع أمريكا والتفاوض مع مجموعة حقاني.
كان من أهم أسباب التشظي هو تحوّل المرجعيات، حيث شهد التنظيم خلال الأعوام الثلاث الأخيرة تحولاً في مرجعياته الفكرية، وبدا أنّ هناك منظّرين مختلفين حول القتال المحلي والمعولم، مثل أبو محمد المقدسي، أو أبو بصير الطرطوسي، وأبو قتادة الفلسطيني، كما لم يعد للقاعدة خلال الأعوام الثلاث الأخيرة نزوع واضح إلى فقه استراتيجي بعينه، خاصة فيما يتعلق بأولويات القتال ما بين قتال “العدو القريب” و”العدو البعيد”.
ولتفادي مخاطر الانشقاقات حاول التنظيم أن يحكم علاقاته بالفروع باستراتيجية “السلسلة الواحدة” بناء على ثلاث مستويات، فهي إما حليفة (متحالفة مع التنظيم فقط)، أو شريكة (متشاركة معه في الأهداف) أو متماهية (تقع في صلب النواة للتنظيم)، واستراتيجية “استرضاء المجتمع” عبر ما يسمّى تكوين الجبهات والتحالفات الداخلية، وهي أفكار يؤمن بها عدد كبير من قيادات القاعدة الآن، في مقابل من يؤمنون بـ “المظلة القاعدية المعولمة”.
الحرب ودعم الانشقاقات
رسميا فإن القاعدة التزم الصمت تماما حيال الحرب الدائرة، سوى بيان سيف العدل، الي لم تستجب له الفروع، فيما انشطرت السلفية الجهادية الشامية وفق البيانات، حيث رأى بعضها أن استمرار الحرب بين إيران (الفرس وفق البيانات) وإسرائيل، هو في مصلحة المسلمين والإسلام. إلا ان (أبو قتادة) المنظر الأردني المعروف الموالي لأحمد الشرع، وقف متوسطا المسألة ورأى أن الكيان دولة صغيرة، وأن أمريكا لن تسمح بزوال إيران.
وينطلق موقف القاعدة من إيران من عدة أشياء أولها الأيديولوجيا السلفية، التي ترى أن إيران شيعية وأنها من الروافض، ولا يجوز التحالف والولاء لها، فيما يرى البعض الآخر أنه يجوز في حال الضرورة التعامل مع الشيعة، إلا أن الموقف المركزي هو الخلاف حول تكفير رؤوس الشيعة أم تكفيرهم على العموم.
وتقف السياسة حاضرة على موقف القاعدة من إيران، فما جرى في سوريا دائما هو في مخيلة قيادات التنظيم، الذين يرون أنها عدو رئيسي لأهل السنة، لذا فهم هنا يطالبون أعضاءهم في صفحاتهم الرسمية بألا ينجروا وراء الدعوات الإيرانية، فهي في نظرهم تساوي إسرائيل ولا فرق، بل في بعض الأقوال هي أخطر منها.
من هنا تبدو سردية أن سيف العدل هو الزعيم المحتمل للقاعدة خاطئة بكل تأكيد، لأن الفروع، وكذا مجلس الشورى للتنظيم لا تقبل أن يكون قائدها مقيما في طهران، وتحت إقامتها الجبرية، ويتحرك وفق أوامر الحرس الثوري، والمعروف أنه تم تخييره بين الذهاب لسوريا أو البقاء في إيران فإنه اختار الأخيرة، إلا إذا كان قد ترك إيران منذ فترة.
ووفق ما ورد في وثائق أبوت أباد التي وجدت بحوزة بن لادن، فإنه تحدث لأبي مصعب الزرقاوي عن استراتيجية أولوية الأعداء، واعتبر أنه ليس من الأولى قتال الشيعة على العموم، أو استعداء إيران، أو استهداف مقدسات الطائفة الشيعية، وهو ما عارضه الزرقاوي، شارحا لبن لادن كيف أنهم أخطر على الإسلام من اليهود، وهي نفس النظرة التي يتشاركه فيها السلفيون ومدارسهم المتنوعة على العموم.
مما سبق نستنج أن القاعدة يقف في المسألة الإيرانية موقف المتحرج، فهو إن دعمها فسيتشظى بشكل أكبر، ويثبت تلك السردية القديمة أنها أداة إيرانية، وإن الصمت أقل كلفة من الكلام، حيث إن سلفيته الجهادية وأكثر منظريه يرون أن إيران رافضية شيعية.
التعليقات