أوهام الموريين وخرافة البرغواطة: تفكيك الأيديولوجيا التمزيغية في ضوء منهج التاريخ النقدي

27 يونيو 2026

أوهام الموريين وخرافة البرغواطة: تفكيك الأيديولوجيا التمزيغية في ضوء منهج التاريخ النقدي

(قراءة في أطروحات عبد الخالق كلاب)

مصطفى بن عمر الحسني

 

مدخل: في فلسفة التاريخ وطبائع الضمير الجمعي

ليس التاريخ، في جوهره العميق، سجلاً جامداً للأحداث، ولا ديواناً للمفاخر والقبائل، بل هو ضمير الجماعة النابض، ومرآة النفس الإنسانية حين تتأمل ماضيها لتستدل به على حاضرها. ولئن كانت كتابة التاريخ فناً من فنون الروح، فإنها تظل، في أسمى مراتبها، ضرباً من الجهاد بين العقل الأكاديمي الواعي، والأهواء النفسية التي تتقمص ثياب العلم لتضلل وتلبس وتخدع .

ومن هذا الباب، ننظر إلى المشروع الذي يدعيه الدكتور عبد الخالق كلاب تحت مقولة “المركزية المغربية”، فنجده، مع ما فيه من دعوة مشروعة إلى تحرير القلم من وصاية الشرق والغرب، قد هوى في شَرك أشد ظلاما : شرك الأيديولوجيا العرقية، التي تحاول أن تؤسس لماضٍ أسطوري على أنقاض حقائق ثابتة، وتصنع من “التّمزيغية المورية البرغواطية” صنماً جديداً يُنصب من دون حقائق التاريخ.

وهذه المقالة هي محاولة مختصرة لتفكيك ذلك الصنم، بكشف ما فيه من تناقضات منهجية، وتوظيفات انفعالية، وقراءات انتقائية.

 

أولاً: في التمزيغية بين المنهج والهوى

أو: كيف يلتبس التاريخ بالسّفسطة

يزعم الدكتور كلاب أنه ينتقد “المركزية المشرقية” التي تريد ربط المغاربة بأصول عربية، و”المركزية الغربية” التي كتبها المستعمر الفرنسي، ويدعو إلى كتابة التاريخ من عيون مغربية. وهذه الدعوة، في ظاهرها، حقٌّ ولكن يُراد به باطل.

فالعاقل لا ينكر أن كتابة التاريخ المغربي تأثرت، لقرون، بنماذج استشراقية اختزالية، ونماذج شرقية مثالية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه على كلاب ومنواله: هل كان خلاص المغرب من تلك المركزيّات أن يقع في شرك “مركزية” ثالثة هي أشدها تعصباً وأقلها إقناعاً؟

وكلاب، للأسف، لم ينقض المركزيات السابقة بالوثائق والبراهين والحجة الأصيلة المقنعة ، بل نفضها بغبار الهوية، وأحل محل العربي صورةً نمطية عن “المغربي الموري” لم تكن موجودة في وعي الشعب المغربي قبل هذا العصر.

فالتاريخ المغربي، كالتاريخ الإنساني كله، قائم على التزاوج والتداخل؛ فالروح العربية هبت على المغرب، فصاغت لغته وشرائعه وحضارته، والروح الأمازيغية نطقت بما في جعبتها من قدرة على التكيف والصمود، والروح الأندلسية أضافت إليه رونقاً في الفكر والفن والجمال . أما أن نختزل هذا المزيج الفريد في “أمازيغية مورية” صرفة، فذلك لا يزيد على كونه اختزالاً مشيناً، يضرب صفحاً عن حقائق ثابتة: من اعتماد الدولة المرابطية والموحدية على العرب في الإدارة والقضاء، إلى انصهار القبائل المغربية في بوتقة الإسلام التي جعلت من المسجد مدرسةً، ومن اللغة العربية جسراً للتواصل بين الصحراء والبحر وبين المشرق والمغرب ، وما أعظمه من جسر !

وإذا كان كلاب يرفع شعار “الله يعبد بالأمازيغية”، فإننا نذكره بأن الروح لا تُحصر بلسان، وأن العبادة لا تُوزن بالقوالب اللغوية بقدر ما تُوزن بالإخلاص والنية، بل إن اللغة العربية، بوصفها لغة التنزيل، كانت ولا تزال هي ضامن الوحدة الفكرية بين أقطار المغرب العربي أو الشمال إفريقي ، فكيف يتجاهل الباحث ذلك؟ إنه هنا يخلط بين اللغة بوصفها أداة تواصل في الأسواق والبيوت، وبين اللغة بوصفها ركيزة الدولة والأمة. وهذا الخلط هو بعينه أصل المغالطة.

ثانياً: البرغواطة في ميزان العقل

أو: أسطرة الهامش وتحويل الفاشل إلى أيقونة

ولعل من أطرف ما في أطروحة كلاب، وأكثرها خطأ من الناحية المنهجية، هو رفعه لحركة برغواطة إلى مرتبة “دعامة هوياتية” للمغرب القديم. فالبرغواطة، كما يعلم كل دارس للتاريخ، لم تكن أكثر من حركة ثورية هامشية، ظهرت في زمن الفتنة، واعتنقت أفكاراً غريبة عن روح الإسلام، واندثرت بسرعة، ولم تترك في الضمير الجمعي المغربي أثراً يذكر، سوى ما تبقى من أخبارها في طيّات الكتب…بل إنني تحديت كولابا في صفحته مرارا أن يذكر لنا أسماء لبضعة شخصيات برغواطية من مهندسين وعلماء وفقهاء وشعراء وخطباء وفلاسفة …..فلم يحر جوابا ولن يحير ولن يستطيع .

فكيف لهذه الحركة الزائلة، التي لم تنشئ دولة ولا أقامت حضارة ولا تركت إرثاً لغوياً أو معمارياً ولا خلفت تراثا ثقافيا ولا أدبيا ولا فلسفيا …. أن تكون “أصلاً” للهوية المغربية؟ إن هذا ليس تاريخاً، بل هو أسطرة؛ أسطرة تهدف إلى خلق تقليد جديد، أو كما يسميه المؤرخون “التقليد المُخترع”، لتبرير رؤية عرقية تبحث عن ماضٍ منفصل عن العرب والإسلام.

ونحن لا ندعي تحليل شخصية الدكتور كلاب، ولكننا نقول: إن تقديم حركة فاشلة كالبرغواطية على أنها “نموذج مقاومة”، هو من قبيل إضفاء شرعية تاريخية على خطاب انفصالي معاصر….باسم تامزغا ورايتها المريبة .

والأدهى من ذلك أن كولاب، في حماسه الأيديولوجي، يتغاضى عن حقيقة أن الدولة المغربية الكبرى، في عصور ازدهارها، لم تكن تقوم على مبدأ التمزيغ أو التعريب، بل على مبدأ الإسلام وحده. فالموحدون، الذين ينتمون جذرياً إلى قلب الأمازيغ، لم يترددوا في إعلاء شأن اللغة العربية وجعلها لغة العلم والسياسة، ولم يروا في ذلك خيانة لجذورهم، بل رأوا فيه ارتقاءً وشمولاً. فكيف يأتي باحث في القرن الحادي والعشرين ليقول إن ذلك كان خطأً، وأن المغرب كان يجب أن يظل محصوراً في دائرة “المورية” الضيقة ولهجاتها المتنوعة التي لم تقدم ما يكفي لتكون لغة تضارع ولو قليلا اللغة العربية ؟

ثالثاً: المورية بين الحقيقة الجغرافية والغاية الأيديولوجية أو: سرقة اسم لتوظيف معنى.

ولعل العنصر الأكثر إثارة للجدل في منهج كولاب هو استعارته مصطلح “الموريين” (Maures) وجعله أساساً لهويته المزعومة. والموريون، في أصلهم التاريخي، هم سكان إقليم موريتانيا الطنجية في العصر الروماني، وهي منطقة محدودة جغرافياً في شمال المغرب.

فكيف يحوّل كلاب هذه الفئة التاريخية الضيقة إلى “أمة” تشمل كل سكان المغرب عبر العصور، من جبال الريف إلى صحراء الساقية الحمراء؟ إن هذا، بحق، انتحال تاريخي لا يقل فداحة عن تلك “المركزيات” التي ينتقدها.
فالمورية عند كلاب هي كلمة مفرغة من محتواها الجغرافي والتاريخي، ثم يُعاد ملؤها بمحتوى عرقي حديث، تماماً كما تُعاد كتابة القصائد القديمة بمعانٍ جديدة لا صلة لها بالسياق الأصلي.

إن المغرب، بعيداً عن هذه التصنيفات العرقية، هو أمة الجغرافيا قبل أن يكون أمة الدم واللغة؛ فهو يمتد بين البحر والصحراء، واستقبل على أرضه كل الحضارات فصاغها في قالب خاص. أما أن نبحث عن “أصل” واحد نقي، فهذا من قبيل الخيال العرقي الذي كذبه العلم الحديث وأثبت أن البشر كلهم هجائن، وأن الخلط هو سنة الوجود.

رابعاً: في الخلط بين الوظائف وطمس المعالم أو: نقد لافتقاد التمايز المنهجي

ومن النقاط الجوهرية التي تفقد هذه الأطروحة قيمتها العلمية، عدم تمييزه بين المستويات الزمنية والوظيفية للغة والدولة.

فإذا تحدثنا عن الدولة المرابطية، نجد كلاب يستشهد بحديث ابن تاشفين بالأمازيغية في محافله الخاصة، ويستنتج من ذلك أن الدولة كانت “أمازيغية خالصة”. وهذا استنتاج قفز فجأة في الهواء، فلم يقل أحد يوماً أن المرابطين لم يكونوا أمازيغاً مع وجود خلاف في ذلك ، ولكن السؤال المحوري هو: هل كانت هوية الدولة نفسها تقوم على الأمازيغية أم على الإسلام؟

الدولة في تاريخ المغرب، كما في تاريخ الشرق، كانت تقوم على عقيدة، ثم على قبيلة، ثم على إدارة. فإذا كانت لغة المخاطبة بين القبائل هي الأمازيغية، فإن لغة العدل والكتابة والمناظرات العلمية وتدوين التراث بكل علومه ومعارفه كانت العربية. وهذا التوزيع الوظيفي ليس غريباً عن الأمم؛ ففي أوروبا ظلت اللاتينية لغة العلم والدين قروناً طويلة مع أن الشعب كان يتحدث بلغات محلية مع مراعاة الفروق العظيمة بين اللغة اللاتينية واللغة العربية وخصائصهما .
أما كلاب فيخلط بين هذا كله، ويعمم الخاص على العام، ويجعل من المشافهة اليومية “دستوراً” للهوية. وهذا هو عين السفسطة التاريخية؛ إذ لا فرق عنده بين كون السلطان يتحدث بلغة جنده، وبين كون الدولة تتبنى لغة القرآن دستوراً لها.

وخلاصة القول، وبعد هذا التفكيك المتأني، نقرر أن مشروع عبد الخالق كلاب ليس مشروعاً أكاديمياً بقدر ما هو خيال سياسي يبحث عن شرعية في أعماق التاريخ، يستقي من “التمزيغية” قوته، ومن “البرغواطية” أسطورته، ومن “المورية” غطاءه موظفا أسلوبا إنشائيا شعبويا .
إن أعظم ما يُبتلى به الباحثون في التاريخ هو أن يجدوا في أنفسهم رغبة دفينة إلى تصديق ما يهوون، وتكذيب ما يكرهون . وهذه الرغبة هي التي أوقعت صاحبنا في مزالق عديدة، جعلته يرى في الهوية ما لا يراه الواقع، ويفسر الماضي بما يخدم الحاضر الذي يسعى لتمزيغه بخطابه المتهافت كما فككناه ، ويضرب صفحاً عن الحقائق التي لا تخدم أطروحته.

وإننا، إذ نرفض هذه الأيديولوجيا، لا ندعو إلى أيديولوجيا مضادة، بل ندعو إلى تحرير التاريخ من كل الأيديولوجيات، وإعادته إلى متن العلم والنقد والموضوعية. فالمغرب، بأمازيغه وعربه أكبر من أن يحبس في قالب عرقي ضيق، وأعمق من أن تُقرأ هويته على ضوء كراهية “المركزية” التي يُبدّلها بأخرى.

إن الحقيقة التاريخية، كما يراها المؤمنون بالعقل، ليست ملكاً لأحد، بل هي بضاعةٌ مبذولة في الأرض ، من أخلص في طلبها وجدها، ومن أخلص لهواه فقدها. ولعل خير ما نختتم به ما بينه ابن خلدون في مقدمته من أن فن التاريخ من الفنون المتداولة بين الأمم… ومع هذا فقد وقع فيه من المغالطات والمآخذ ما لا يحصى . ونحن، في نقدنا هذا، نرجو أن نكون قد ساهمنا في كشف بعض تلك المغالطات، عسى أن يعود النظر إلى التاريخ المغربي بعيون لا ترى إلا الحقيقة، مجردة من شوائب العرق والنزق والشعبوية المتهافتة .

والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سواء السبيل.

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...