أفعال وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بين البيان التشريعي والتصرف البشري
الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
يُعَدُّ النظرُ في أفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من أدقِّ مباحث أصول الفقه وأعمقها أثراً في فهم الشريعة وتنزيلها، إذ ليست كل أفعاله على رتبةٍ واحدةٍ من حيث الدلالة على الأحكام، ولا هي جميعاً صادرةً عن جهةٍ واحدةٍ من جهات التشريع.
بل إن التمييز بين ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم باعتبار بشريته وجبلته، وما كان راجعاً إلى عادته وبيئته، وما كان تشريعاً مقصوداً يُطلب من الأمة الاقتداء به فيه، هو من صميم الفقه المقاصدي الذي يحفظ للشريعة روحها، ويمنع عنها الجمود والتحريف في آنٍ واحد.
وفي هذا السياق يتبين أن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم ليست على نوع واحد من حيث علاقتها بالأحكام والتشريع، لأن الأنشطة الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم تتعدد باختلاف القرائن والأحوال التي تصاحب هذه التصرفات، وهذا التميز لا يُعد مسألة نظرية مجردة، بل هو أساس في بناء منظومة فقهية اجتهادية قادرة على مواكبة مصالح الناس عبر العصور، وقادرة على التفاعل مع تغير الأحوال وتبدل الأعراف دون أن تفقد صلتها بالوحي ومقاصده.
وقد تنبه العلماء إلى هذه الحقيقة مبكرًا، فاستقرؤوا أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، واستنبطوا منها قواعد وضوابط تساعد على التمييز بين أنواعها.
ومن أوائل من لفت الأنظار إلى هذا المعنى ابن قتيبة الدينوري في القرن الثالث الهجري، حيث قرر أن السنة النبوية ليست على مرتبة واحدة، بل تتنوع من حيث دلالتها إلى ما يفيد التشريع الملزم، وإلى ما هو وحي محض، وإلى ما هو مفوض فيه للنبي صلى الله عليه وسلم، وإلى ما هو من قبيل الترغيب في الكمال دون إلزام. وأساس هذه الفكرة أن التصرفات النبوية لا تُحمل كلها على جهة واحدة من الإلزام، بل يُنظر فيها بحسب سياقها وقرائنها.
ثم جاء الإمام القرافي المالكي فزاد هذا التصور عمقًا ودقة، حين ربط تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بمناصبه المختلفة، فاعتبره في آنٍ واحد رسولًا مبلغًا، ومفتيًا يبين الأحكام، وقاضيًا يفصل في الخصومات، وإمامًا يتولى تدبير شؤون الأمة، وأن تصرفاته تتوزع بين هذه الجهات، فمنها ما هو صادر بوصف التبليغ، ومنها ما هو صادر بوصف الفتوى، ومنها ما هو صادر بوصف القضاء، ومنها ما هو صادر بوصف الإمامة، بل قد يتردد الفعل الواحد بين أكثر من جهة، فيختلف النظر فيه تبعًا لذلك .
وقبل الخوض في هذا التمييز، لا بد من تأصيلٍ قرآنيٍّ واضحٍ يؤكد حقيقةً كبرى، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم بشرٌ رسول، كما قال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾. فهذه الآية تؤسس لقاعدةٍ منهجيةٍ في التعامل مع أفعاله صلى الله عليه وسلم، إذ تُقرِّر أن بشريته ليست أمراً عارضاً، بل هي جزءٌ من كينونته التي يتحرك بها في الواقع، ويعيش بها تفاصيل الحياة، ويُباشر بها شؤون الدنيا. ومن هنا، فإن فهم السنة النبوية لا يستقيم إلا باستحضار هذه الثنائية الجامعة بين البشرية والرسالة، دون أن يُطغى أحدُهما على الآخر.
فالنبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يكون مشرعاً ومفتياً ومبلِّغاً، كان إنساناً يعيش في مجتمعٍ له عاداته وتقاليده، ويأكل مما يأكل الناس، ويلبس مما يلبسون، ويتعامل مع معطيات عصره بما تقتضيه الخبرة البشرية والتجربة الإنسانية. ومن هذا الباب، فإن كثيراً من أفعاله لا يُراد بها التشريع، وإنما صدرت عنه بمقتضى الجبلة البشرية، كطريقة أكله، وهيئة جلوسه، واختياره لبعض الأطعمة دون غيرها، أو تفضيله لأنواعٍ معينةٍ من اللباس.
فهذه الأفعال لا تدل بذاتها على حكمٍ شرعيٍّ عام، ولا يُطلب من الأمة الالتزام بها على جهة التعبد، لأنها لم تصدر بقصد البيان التشريعي، وإنما باعتبارها من شؤون الحياة التي تُترك لاجتهاد الناس وأعرافهم.
ومن أبرز ما يُعين على ترسيخ هذا الفهم استحضارُ أمثلةٍ تطبيقية تُجسِّد هذا التمييز في الواقع العملي، وتُخرج القضية من إطارها النظري إلى أفقها التطبيقي. فمثلاً، في باب الأفعال الجِبِلِّيَّة، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب بعض الأطعمة دون غيرها، فقد كان يُحب الحلواء والعسل، ويُفضِّل بعض أنواع الطعام، ويترك بعضها الآخر، وهذا لا يدل على تشريعٍ عام، بل هو من مقتضيات الطبع البشري. وكذلك هيئات جلوسه ونومه ومشيه، فهي أمورٌ جرت على مقتضى الفطرة، ولم يُقصد بها الإلزام أو التعبد.
ومن هذا الباب أيضاً ما ورد في شأن تأبير النخل، حين أشار النبي صلى الله عليه وسلم برأيٍ ظنًّا منه أنه أصلح، فلما تبين عدم صوابه قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». فهذا المثال يُعدُّ أصلاً عظيماً في التفريق بين ما هو ديني تعبدي، وما هو دنيويٌّ تجريبي، ويؤكد أن بعض تصرفاته صلى الله عليه وسلم إنما تُفهم في سياق الخبرة البشرية التي تقبل الخطأ والصواب، وهو ما يفتح للأمة باب الاجتهاد في مجالات الزراعة والصناعة والطب وسائر شؤون الحياة.
كما أن من أفعاله ما يرجع إلى العادة والمألوف، وهو ما تعارف عليه الناس في بيئته من أساليب العيش وأنماط الحياة. ومن أمثلته لباسه صلى الله عليه وسلم، فقد كان يلبس ما يلبسه قومه من الأزر والأردية والعمائم، بحسب ما هو شائعٌ في بيئتهم، ولم يُلزم الأمة بشكلٍ معينٍ من اللباس لذاته، وإنما المقصود تحقيق مقاصد الستر والحياء.
وكذلك استعماله لبعض الوسائل في التنقل أو الحرب، كركوب الإبل أو استخدام أدواتٍ معينة، فهذا كله من قبيل العادات التي تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا يُقصد بها التشريع في ذاتها.
ومن الأمثلة الدقيقة التي تُبرز أهمية هذا التمييز، ما وقع في بعض تدابير الحرب، حيث كان صلى الله عليه وسلم يختار موقعاً معيناً، فيسأله الصحابة: أهو وحيٌ أم رأيٌ وحربٌ ومكيدة؟ فإن كان وحيًا التزموا به، وإن كان رأيًا بشريًا ناقشوه وقد يُشيرون بغيره، كما وقع في غزوة بدر. فهذا السلوك يُقرِّر مبدأً عظيماً، وهو أن بعض تصرفاته كانت خاضعةً للاجتهاد البشري، وليست تشريعاً لازماً.
كما يظهر هذا التمييز في تعامله صلى الله عليه وسلم مع بعض القضايا الاجتماعية، كتنظيم شؤون الأسرة وإدارة الخلافات، حيث يجمع بين كونه مشرعًا يُبيِّن الأحكام، وبين كونه إنسانًا يُراعي الأعراف والظروف. فبعض تصرفاته في بيته أو مع أزواجه لا يُفهم على أنه تشريعٌ عام في كل جزئية، وإنما يُنظر إليه في سياقه، مع استحضار المقاصد العامة من العدل والإحسان وحسن المعاشرة.
وقد نبه إلى خطورة الخلط بين هذه المستويات غير واحدٍ من العلماء، ومنهم علال الفاسي، حيث حذر من تحويل بعض الأفعال العادية إلى معايير جامدةٍ للتدين، تُضيِّق على الناس وتُخرج الشريعة عن مقاصدها في التيسير ورفع الحرج.
وفي المقابل، فإن من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ما صدر على جهة التشريع والبيان، وهو الذي يُطلب من الأمة الاقتداء به فيه، لأنه داخلٌ في دائرة الامتثال للأمر الإلهي. وهذا النوع يُعرف بقرائن متعددة، منها أن يكون الفعل بياناً لنصٍّ مجمل، أو أن يقترن بأمرٍ صريح، أو أن يُفهم من سياق الحال أنه قصد به التعليم والتشريع.
ومن أوضح أمثلته أفعاله في العبادات، ككيفية أدائه للصلاة، حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وكذلك أفعاله في الحج حين قال: «خذوا عني مناسككم»، فهذه الأفعال ليست عاداتٍ ولا جِبِلَّات، بل هي تشريعٌ عملي يُبيِّن كيفية الامتثال.
ومن هنا تتجلى أهمية الفقه المقاصدي في ضبط هذا التمييز، إذ لا يكتفي بالنظر إلى ظاهر الفعل، بل يتعمق في مقصده وسياقه وعلته، ليُحدِّد ما إذا كان تشريعاً عاماً أو تصرفاً خاصاً أو عادةً بشرية. فالجمود على الظواهر دون اعتبار المقاصد قد يؤدي إلى تضييق واسع، وتحميل الناس ما لم يُحمِّلهم الله به، كما أن التسيب في إهمال الأفعال التشريعية بدعوى أنها عادات قد يُفضي إلى التفريط في الدين ذاته.
إن الإشكال الذي وقع فيه بعض الجامدين قديماً وحديثاً هو أنهم لم يُحسنوا التمييز بين هذه الأنواع، فجعلوا كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم تشريعاً لازماً، حتى في أدق تفاصيل الحياة اليومية، وكأن الإسلام جاء ليُحدِّد للناس نوع الطعام الذي يأكلونه، أو شكل اللباس الذي يلبسونه، أو الهيئة التي يجلسون بها في بيوتهم. وهذا الفهم يُخالف روح الشريعة التي جاءت لتحقيق مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، وتركَت لهم مساحةً واسعةً من الحرية في تدبير شؤونهم الدنيوية.
وفي المقابل، فإن التفريط في هذا الباب لا يقل خطراً، إذ قد يؤدي إلى إلغاء البعد التشريعي للسنة، والاكتفاء بالنصوص العامة دون بيانٍ عملي، وهو ما يُفضي إلى تعطيل جزءٍ كبيرٍ من الشريعة. ومن هنا، فإن المنهج الوسط هو الذي يجمع بين تعظيم السنة النبوية، وفهمها في ضوء مقاصدها وسياقاتها، دون إفراطٍ أو تفريط.
إن إدراك بشرية النبي صلى الله عليه وسلم لا يُنقص من مقامه، بل يزيده وضوحاً وسمواً، لأنه يُظهر كيف يمكن للإنسان أن يبلغ أعلى درجات الكمال في إطار بشريته، دون أن يتجرد من طبيعته الإنسانية. كما أن هذا الإدراك يُحرِّر الفقه من القيود الشكلية، ويفتح أمامه آفاقاً واسعةً للاجتهاد، تُراعي تغير الزمان والمكان، وتستجيب لحاجات الناس المتجددة.
وبذلك، فإن التعامل مع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يقوم على ميزانٍ دقيقٍ يجمع بين النص والمقصد، وبين الظاهر والمعنى، وبين الثابت والمتغير. فما كان منها تشريعاً فهو دينٌ يُتعبد به، وما كان عادةً أو جبلةً فهو من دائرة الإباحة التي تتسع لاجتهاد الناس، وما كان تصرفاً بشرياً في شؤون الدنيا فهو مجالٌ للخبرة والتجربة.
وهكذا، فإن هذه الأمثلة التطبيقية المندمجة في صلب النظر الفقهي تُبرز بوضوح أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ليست على نسقٍ واحد، وأن تنزيلها على الواقع يحتاج إلى فقهٍ دقيقٍ يُميِّز بين ما هو تعبديٌّ ثابت، وما هو عاديٌّ متغير، وما هو بشريٌّ اجتهادي.
وهذا التمييز هو الذي يحفظ للشريعة مرونتها، ويمنع من تحويل الدين إلى مجموعةٍ من الأشكال الجامدة، كما يمنع في الوقت نفسه من التفريط في الأحكام الثابتة.
وهذا الفهم هو الذي يُنقذ الخطاب الإسلامي من الوقوع في فخ الشكلانية، ويُعيد إليه روحه المقاصدية التي تُعلي من قيمة المعنى على حساب الشكل، ومن جوهر الدين على حساب مظهره. كما أنه يُسهم في بناء وعيٍ دينيٍّ ناضج، يُدرك أن الاتباع الحقيقي للنبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بتقليد جزئيات حياته اليومية، بقدر ما يكون بالاقتداء بمقاصده الكبرى، من تحقيق العدل، ونشر الرحمة، وإقامة التوازن بين مصالح الدين والدنيا.
وفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتتغير فيه أنماط الحياة، يصبح هذا الفهم ضرورةً ملحة، حتى لا يتحول الدين إلى عبءٍ على الناس، أو إلى صورةٍ جامدةٍ لا تتفاعل مع واقعهم. فالشريعة التي جاءت لهداية الإنسان، لا يمكن أن تُفهم فهماً صحيحاً إلا إذا استُحضرت مقاصدها، وفُرِّق بين ما هو ثابتٌ تعبدي، وما هو متغيرٌ بتغير الأعراف والأحوال.
ختاما، إن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ليست سواءً في دلالتها، بل منها ما هو تشريعٌ ملزم، ومنها ما هو عادةٌ أو جبلة، ومنها ما هو اجتهادٌ بشريٌّ في شؤون الدنيا.
والفقه الصحيح هو الذي يُحسن التمييز بين هذه المستويات، فيُعطي لكل نوعٍ حكمه، ويُنزِّله في موضعه، تحقيقاً لمقاصد الشريعة، وصيانةً للدين من الغلو والتفريط.
التعليقات