أسرار تجليات “يسمع من يشاء”

26 مايو 2026

د. محمد غاني

تتجلى آيات القرآن الكريم في سبورة الروح كبحر لا تنضب معانيه، وكلما غاص العارف في أعماقه، كشفت له درر من جواهر المعاني الخفية. ومن هذه الآيات العظيمة قوله تعالى في سورة فاطر: “إنّ اللّه يسمع من يَشاء وَما أَنتَ بِمسمع مّن في القبور”. فاطر: 22.

هذه الآية، تبدو في ظاهرها تقريرا لحقيقة حسية ملموسة، لكنها في حقيقة الأمر تحمل في طياتها أبعادا عرفانية عميقة تتجاوز حدود السمع الظاهري إلى رحاب السمع الباطني واليقظة القلبية، وتكشف سرا عظيما في مسيرة كل مؤمن نحو الكمال الروحي .

تشير الآية إلى أن الله وحده هو القادر على هداية القلوب وإسماعها الحق، وأن النبي صلوات ربي وسلامه عليه ، على عظيم قدره، لا يملك أن يسمع من عميت بصيرته و مات قلبه عن الحق، فشبهوا بمن في القبور الذين لا يسمعون ولا يستجيبون.

هذا المعنى يرسخ حقيقة أن الهداية بيد الله، وأن دور الأنبياء والرسل هو البلاغ والإنذار. ولكن، في رحاب العرفان، تتسع دلالات الآية لتشمل مراتب السمع والإسماع. فكما أن هناك سمعا حسيا بالأذن الظاهرة، هناك سمع باطني بالقلب والروح.

و”من في القبور” لا يقصد بهم الأموات بأجسادهم فحسب، بل يشمل أيضا الأحياء الذين ماتت قلوبهم بالجهل والغفلة، فأصبحوا في قبور أهوائهم وشهواتهم، لا يصل إليهم صوت الحق وإن علا.

لا غرو أن الأذن الروحية القلبية هي مفتاح السماع لدى الارواح إن قوله تعالى: “إِن الله يسمع من يَشَاء” يفتح الباب واسعا أمام فهم أعمق لعملية السماع. فالله سبحانه وتعالى لا يسمع فقط بالصوت المادي، بل يسمع أيضا بالفيض الإلهي، والإلهام الرباني، والكشف النوراني. وهذا السماع لا يكون إلا لمن هيأ قلبه بتمرينه على ذكر الله وتطهرت روحه بماء الغيب ، ففتح الله له “الأذن الروحية القلبية” التي تسمع اذان مؤذن الحج في عالم الأزل فيحج قلبه حجا ابديا سواء انتقل بدنه للبقاع المقدسة ام عمل عملا صالحا كتبه الله حجة قلبية مقبولة عند الله تعالى كما وقع في قصة عبد الله بن المبارك المشهورة مع السيدة ذات الايتام.

عندما تتفتح الأذن الروحية القلبية، يبدأ المؤمن في تلقي ما يعرف عند أهل العرفان بـ”الهواتف الغيبية”. هذه الهواتف ليست أصواتا مادية، بل هي إشارات، وإلهامات، وخواطر نورانية يلقيها الحق سبحانه وتعالى في قلب العارف، لتكون له بوصلة سديدة في الّذين آمَنوا “إِن تتّقوا اللّه يجعَل لكمْ فرْقانا “الأنفال: 29. هذا الفرقان ليس مجرد معرفة نظرية، بل هو بصيرة نافذة، وقدرة على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والصواب والخطأ، في أدق الأمور وأعقدها. إنه نور يقذفه الله في القلب، يضيء له الدروب المظلمة، ويكشف له الحقائق المستورة.

إن من ثمرات هذا السماع القلبي والفرقان الروحي، أن يكتسب المؤمن نظرة قلبية مديدة في الزمن.

فالعارف بالله لا يرى الأحداث بمعزل عن بعضها، ولا يقتصر نظره على اللحظة الراهنة، بل يرى ترابط الأسباب بالمسببات، وتداخل الأزمان، وتجليات الأقدار.

يرى الماضي والحاضر والمستقبل كنسيج واحد في علم الله، فيدرك سنن الله في الكون، ويتنبأ ببعض ما سيكون بإذن الله وتوفيقه. راسخا، فلا تزلزله الفتن، ولا تحيره المتغيرات، لأنه يرى ما وراء حجب غفلات العقل و القلب، ويسمع ما لا يسمعه غيره، فيمشي في الناس بقلبٍ مطمئن، وروح مستنيرة، ولسان ناطق بالحق.

إن آية “إِنّ الله يسمع من يشاء وما أَنت بِمسمع من في الْقبور”، هي في الحقيقة ليست مجرد إخبار عن قدرة الله، بل هي دعوة للمؤمنين إلى رحلة روحيةٍ عميقة، لفتح الأذن القلبية، وتلقي الهواتف الغيبية، واكتساب الفرقان الرباني، والنظرة المديدة في الزمن.

إنها دعوة لأن نكون من الذين يسمعون عن الله، فيعيشون في الدنيا بقلوبٍ موصولة بالحق، وأرواح تتغذى من نور الغيب، فيكونون مصابيح هداية للناس، وبوصلات سديدة في زمن الحيرة والضلال.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...