أحداث سبتة وثنائية الشباب والمشروع التنموي

كريمة العزيز
إذا كان العالم قد انشغل بالرسائل السياسية التي حملتها أحداث سبتة الأخيرة، فإن أهم رسالة لم تكن موجهة إلى إسبانيا ولا إلى أي طرف خارجي، بل كانت موجهة إلى الداخل، إلى الحكومة المغربية المقبلة: لقد حان الوقت لوضع الإنسان، وخاصة الشباب، في صلب المشروع التنموي.
لقد تناولت وسائل الإعلام العالمية والمحللون السياسيون ما وقع في سبتة من زوايا متعددة، وربط كثيرون هذه الأحداث بحسابات دبلوماسية ورسائل جيوسياسية في ظل التحولات التي تعرفها المنطقة، لكن مهما تعددت هذه القراءات، فإنها لا ينبغي أن تحجب عنا الحقيقة الأكثر إيلاماً، وهي أن الضحية الأولى كانت الإنسان المغربي.
لقد رأينا أطفالاً وقاصرين وشباباً وشابات وعائلات بأكملها يخاطرون بحياتهم من أجل حلم ظنوا أنه سيقودهم إلى حياة أفضل، بينما انتهى الأمر ببعضهم غرقى في البحر، وعاد آخرون إلى وطنهم وهم يحملون خيبة أمل كبيرة بعدما اكتشفوا أن الصورة التي رسموها في أذهانهم عن أوروبا ليست هي الواقع.
هنا تكمن الرسالة التي ينبغي أن تستوعبها الحكومة المقبلة قبل أي طرف آخر. لقد تغير المجتمع المغربي، وتغير معه الشباب، فلم يعد يعيش داخل حدود حيه أو مدينته، بل يعيش يومياً داخل عالم مفتوح عبر الإنترنت والهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، يقارن نفسه بأقرانه في مختلف دول العالم، ويتأثر بما يراه ويسمعه، سواء كان حقيقة أو مجرد أخبار مضللة، ويطمح إلى مستوى عيش كريم وإلى فرصة يشعر فيها بأن مستقبله يصنع داخل وطنه لا خارجه.
لذلك فإن استمرار الاعتماد على البرامج التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة تحديات هذا الجيل، لأن جيلاً يفكر بعقلية الذكاء الاصطناعي لا يمكن مخاطبته بأدوات الماضي. إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة المقبلة لن يكون فقط خلق مناصب الشغل، بل إعادة بناء الثقة بين الشباب ووطنهم، وذلك يبدأ من الاستثمار في التنمية البشرية قبل أي شيء آخر. نحن بحاجة إلى مدرسة تُعلِّم أبناءنا كيف يفكرون، وكيف يبدعون، وكيف يواجهون الفشل، وكيف يبحثون عن البدائل، لا أن تكتفي بحشو ذاكرتهم بالمعلومات. نحن بحاجة إلى إدراج برامج للتنمية الذاتية داخل المؤسسات التعليمية، وورشات لبناء الشخصية، وتعليم مهارات التواصل، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، وروح المبادرة، حتى ينشأ جيل قادر على تحويل الأزمات إلى فرص.
كما أن آلاف الشباب الذين غادروا الدراسة في سن مبكرة لا يجوز أن يُتركوا لمصيرهم، بل يجب إنشاء مراكز للقرب في الأحياء تستقطبهم، وتعيد تأهيلهم، وتوفر لهم التكوين المهني والمواكبة النفسية والتوجيه نحو سوق الشغل أو نحو خلق مشاريعهم الخاصة. ولا يمكن تجاهل خصوصية شمال المملكة الذي عرف خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية أثرت في مصادر رزق آلاف الأسر، وهو ما يفرض التفكير في مشاريع استثمارية جديدة تستوعب طاقات الشباب وتعيد الأمل إلى المنطقة.
وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن تنمية بشرية حقيقية دون الاهتمام بالأسرة، لأن الأسرة هي المدرسة الأولى للمواطن. لذلك أصبح من الضروري تطوير برامج وطنية لتوعية المقبلين على الزواج بمسؤوليات الحياة الأسرية، ونشر ثقافة تنظيم الأسرة والإنجاب المسؤول، حتى يتمكن الآباء والأمهات من توفير التربية والتعليم والرعاية الكريمة لأبنائهم، لأن قوة المجتمع لا تُقاس بعدد السكان، بل بجودة الإنسان الذي نصنعه. إن ما وقع في سبتة ليس مجرد حادث عابر، بل مؤشر اجتماعي ونفسي عميق يجب أن يُقرأ بعين المسؤولية، لأن الشباب الذي فقد الأمل قد يتحول في أي لحظة إلى وقود للاحتقان، بينما الشباب الذي يشعر بأن وطنه يحتضنه ويمنحه الفرصة يصبح أكبر قوة للدفاع عنه وبنائه.
إن المغرب، بفضل استقراره ومؤسساته، يمتلك كل المقومات ليحول هذه الأزمة إلى نقطة انطلاق جديدة، شريطة أن تجعل الحكومة المقبلة الإنسان محور كل السياسات العمومية، وأن تعتبر التنمية البشرية استثماراً استراتيجياً لا يقل أهمية عن البنيات التحتية أو المشاريع الاقتصادية الكبرى. فالطرقات والموانئ والمصانع تبني الاقتصاد، لكن الإنسان الواعي هو الذي يحافظ عليها ويطورها، وهو الذي يختار ممثليه بوعي، ويحمي استقرار وطنه، ويبتكر الحلول عندما تواجهه الصعوبات. لذلك، فإن الدرس الأكبر الذي يجب أن نستخلصه من أحداث سبتة ليس من انتصر سياسياً، ولا من وجه الرسائل إلى الخارج، بل كيف نبني جيلاً لا يرى مستقبله خلف الأسلاك الشائكة أو في عرض البحر، وإنما يراه في وطن يؤمن بقدراته، ويستثمر في عقله، ويمنحه الأمل قبل أن يبحث عنه في مكان آخر.




التعليقات